فهرس الكتاب
قد يدُل النص على أن وصفًا معينًا علة للحكم الذي ورد فيه، فيكون ثبوت العلة بالنص، وتسمى العلة في هذه الحالة بالمنصوص عليها.
إلا أن دلالة النص على العلة لا تكون دائمًا صريحة، فقد تكون بالإيماء والإشارة، وإذا كانت صريحة فقد تكون دلالتها على العلة قطعية أو ظنية، ونتكلم فيما يلى عن كل نوع مع التمثيل:
أ- الدلالة على العلة بالنص الصريح القطعي الذي لا يحتمل غير العلة، وفي هذه الحالة تكون دلالة النص الصريحة على العلة قطعية ويكون هذا بالصيغ والألفاظ التي وضعت في اللغة للتعليل، مثل: لكيلا، ولأجل كذا، وكي لا .. إلخ.
مثل قوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} ] النساء:165[فالنص صريح في أن علة إرسال الرسل هي:
{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ... }
و قوله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} ] الحشر:7[بعد أن ذكر الله مصارف الفيء وهي للفقراء والمساكين .. إلخ. فهذا النص صريح في أن العلة هي منع جعل المال متداولًا بين الأغنياء دون غيرهم.
وقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} ]الاحزاب:37 [فهذا النص صريح في دلالته القطعية على أن علة زواج النبي ص بزينب، بعد أن طلقها زيد هي دفع
(1) الآمدي ج 3 ص 364 و ما بعدها، (( فواتح الرحموت ) )ج 2 ص 239 و ما بعدها، (( التلويح و التوضيح ) )ج 2 ص 68 و ما بعدها.
الحرج عن المؤمنين في نكاح زوجات أبنائهم بالتبني.
وقوله عليه الصلاة والسلام عندما أذن لهم بادخار لحوم الأضاحي بعد أن نهاهم عنه: «إنما نهيتُكُمْ عنِ ادّخارِ لحومِ الأضاحي لأجلِ الدَّافَّة فكلوا و ادّخروا» ، فعلة النهي أولًا: هي حاجة الوافدين على المدينة إلى الطعام، فلما زالت العلة زال الحكم بتحريك الادخار.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما جُعِلَ الاستئذان من أجلِ البصر» صريح قطعي في ان علة الاستئذان: هي منع اطلاع الإنسان على ما لا يحل له الاطلاع عليه، فيقاس عليه المنع من اطلاع الإنسان من شباك إلى داخل بيت غيره.
ب- الدلالة على العلة بالنص الصريح غير القطعي في العلية، أي أن النص يدل على العلة، ولكنه يحتمل غيرها احتمالًا مرجوحًا لا يمنع من ظهور النص فيها، فتكون دلالته على العلية صريحة ظنية.
مثل قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} فاللام في (لِتُخرِجَ) تعتبر للتعليل و إن كانت تحتمل ان تكون للعاقبة لا للتعليل.
ج - الدلالة على العلة بالنص غير الصريح في العلة، لكنه يشير إلى العلة وينبه عليها، وذلك بأن توجد قرينة تجعله يدل على العلة، ومن مظاهر هذا النوع: مجيء جملة مؤكدة ب (( ان ) )بعد جملة جاءت مشتملة على الحكم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام، جوابًا لمن سأله عن سؤر الهرة،: (( إنه ليس بِنَجس، إنَّهَا من الطَّوَّافينَ عَليْكُم و الطَّوَّافَات ) ).
أو بأن يقع الكلام موقع الجواب كقوله عليه السلام (( اعْتِقْ رَقَبَةً ) )لمن أخبره بملامسته لزوجته في رمضان.
أو بأن يقرن الوصف بالكلام، فهذا الاقتران يدل على أن الوصف الذي اقترن بالحكم هو علته. و هذا ما يعبر عنه الأصوليون بقولهم: تعليق الحكم بالمشتق