فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 243

229 -والأفعال المؤدية الى المفاسد إما أن تكون بذاتها فاسدة محرمة، وإما أن تكون بذاتها مباحة جائزة. فالأولى بطبيعتها تؤدي الى الشر والضرر والفساد:

كشرب المسكر المفسد للعقول، والقذف الملوث للأعراض، والزنى المفضي الى اختلاط المياه.

ولا خلاف بين العلماء في منع هذه الأفعال، وهي في الحقيقة لا تدخل في دائرة سد الذرائع التي نتكلم عنها، لأنها محرمة لذاتها. أما الأفعال المباحة الجائزة المفضية إلى المفاسد، فهي على أنواع:

النوع الأول:

ما كان إفضاؤه الى المفسدة نادرًا و قليلًا، فتكون مصلحته هي الراجحة، و مفسدته هي المرجوحة: كالنظر إلى المخطوبة، والمشهود عليها، و زراعة العنب،

فلا تمنع هذه الأفعال بحجة ما قد يترتب عليها من مفاسد، لأن مفسدتها مغمورة في مصلحتها الراجحة. وعلى هذا دل اتجاه تشريع الأحكام، ولا خلاف فيه بين العلماء. فالشارع قبل خبر المرأة في انقضاء عدتها أو عدم انقضائها، مع احتمال عدم صدقها، وشرع القضاء بالشهادة مع احتمال كذب الشهود، وقبل خبر الواحد العدل مع احتمال عدم ضبطه، ولكن لما كانت هذه الاحتمالات مرجوحة لم يلتفت الشارع إليها ولم يعتد بها.

النوع الثاني:

ما كان إفضاؤه إلى المفسدة كثيرًا، فمفسدته أرجح من مصلحته: كبيع السلاح في أوقات الفتن، وكإجارة العقار لن يستعمله استعمالها محرمًا كاتخاذه محلًا للقمار، وكسب آلهة المشركين في حضرة من يعرف عنه سب الله عز وجل إذا سمع هذا السب، و كبيع العنب لمن عرف عنه الاحتراف بعصره خمرًا.

النوع الثالث:

ما يؤدي إلى المفسدة لاستعمال المكلف هذا النوع لغير ما وضع له فتحصل المفسدة: كمن يتوسل بالنكاح لغرض تحليل المطلقة ثلاثًا لمطلقها، وكمن يتوسل بالبيع للوصول إلى الربا كأن يبيع خرقة بألف نسيئة، ويشتريها من مشتريها بتسع مئة نقدًا. والمفسدة هنا لا تكون إلا راجحة.

230 -اختلاف العلماء في الأخذ بسد الذرائع:

الأفعال من النوعين الثاني والثالث، هي التي وقع الخلاف فيها، أتمنع لإفضائها إلى المفسدة أم لا؟

فالحنابلة والمالكية قالوا: تمنع. وغيرهم كالشافعية والظاهرية، قالوا: لا تمنع (1) . ووجهة هؤلاء: أن هذه الأفعال مباحة فلا تصير ممنوعة لاحتمال إفضائها إلى المفسدة. ووجهة الأوَّلين: أن سد الذراع أصل من أصول التشريع قائم بذاته،

(1) (( الأم ) )للشافعي ج 3 ص 3،69 (( بداية المجتهد ) )ج 2 ص 117 - 119. (( المغني ) )ج 4 ص 174 و ما بعدها. (( المدوَّنة الكبرى ) )ج 2 ص 171، و ج 3 ص 399 و (( مختصر الطحاوي ) )ص 280.

ودليل معتبر من أدلة الأحكام تبنى عليه الأحكام .. فلما دام الفعل ذريعة الى المفسدة الراجحة، والشريعة جاءت بمنع الفساد وسد طرقه ومنافذه، فلا بد من منع هذا الفعل. فهؤلاء نظروا إلى مقاصد الأفعال وغاياتها و مآلاتها، فقالوا بالمنع ولم يعتبروا إباحته. و أولئك نظروا إلى إباحته بغض النظر عن نتيجته، فقالوا بعدم منعه ترجيحًا للإذن الشرعي العام الوارد فيه على الضرر المحتمل المتأتي منه.

ورأي الأولين المانعين هو الأسدّ، فالوسائل معتبرة بمقاصدها، وفي هذا يقول ابن القيم: لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها. فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت