فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 243

والمنع منها بحسب إفضائها إلى غايتها و ارتباطها بها، ووسائل الطاعات و القربات في محبتها، والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل )) (1) .

231 -القول الراجح:

الذين لم يعتبروا (( سد الذرائع ) )دليلًا مستقلًا من أدلة الأحكام، يحتجون بأن الفعل ما دام مباحًا فلا يجوز منعه باحتمالات الإفضاء إلى المفسدة فهذه الاحتمالات قد تحصل وقد لا تحصل، فهي من قبيل الظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا. والحق أن هذه الحجة ضعيفة، فقد قلنا: إن احتمال المفسدة إن كان نادرًا أو قليلًا أو مرجوحًا لا يمنع الفعل. وكلامنا فيما يفضي إلى المفسدة إفضاء كثيرًا، بحيث يدعو إلى غلبة الظن بوقوع المفسدة. والظن الراجح معتبر في أحكام الشريعة العملية فلا يشترط لثبوتها اليقين، وقد مثلنا بما شرعه الشارع من أحكام بناء على الظن الغالب كما في قبول خبر الواحد، والشهادة، وخبر المرأة عن انقضاء عدتها. وهذه أحكام شرعت لتحقيق مصالح راجحة، وإن كانت فيها مفاسد مرجوحة، نظرًا لاحتمال كذب المخبر أو الشهود أو المرأة. و سنذكر ما شرعه

(1) (( أعلام الموقعين ) )ج 3 ص 11 - 120.

الشارع من أحكام لدرء المفسدة الراجحة المحتملة الوقوع عند ذكر أدلة القول الآخر.

ثم من غير المقبول أن يحرم الشارع شيئًا، ثم يسمع لأسبابه ووسائله فيجعلها

مباحة، أو يتركها على إباحتها الأصلية .. فكون الشيء مباحًا، إذن، مشروط فيه أن لا يؤدي إلى مفسدة راجحة، فإذا أدى الى هذه المفسدة، نظرًا لظروف خاصة، أو أحوال معينة، فإنه يمنع ويصير محظورًا .. فالبيع مباح، ولكنه في وقت النداء لصلاة الجمعة محظور، وسب آلهة المشركين مباح، ولكنه ممنوع إذا أفضى إلى مفسدة سب الله عز وجل كما قلنا، وقطع الأيدي في السرقة فرض، ولكن يجب تأجيله في الحرب والجهاد، قال صلى الله عليه و سلم: (( لا تُقْطع الأيدي في الغزو ) )، لئلا يكون ذريعة لفرار المحدود إلى العدو. والهدية مباحة بل مستحبة للأثر: (( تهادوا تحابوا ) )، ولكن هدية المدين لدائنه ممنوعة إن لم تكن بينهما عادة التهادي من قبل، لئلا تكون ذريعة إلى مفسدة الربا.

والنهي عن المنكر واجب، ولكن إذا أدى إلى منكر أعظم منه جاز تركه.

232 -من هذا كله يترجح القول بأصل سد الذرائع وجعله من أدلة الأحكام، لأنه أصل يشهد له الكتاب والسنة بالاعتبار، فمن ذلك (1) :

1 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا} [البقرة:104] نهى الله عز وجل المؤمنين أن يقولوا: (( راعنا ) )مع قصدهم الحسن، منعًا لذريعة التشبه باليهود الذين كانوا يريدون بها شتم النبي صلى الله عليه و سلم.

2 -تحريم القطرة من الخمر، لئلا تتخذ ذريعة الى الحسوة، والحسوة ذريعة إلى شرب ما يسكر فيقع المحذور، ولهذا جاء في الحديث (( ما أَسْكَرَ كَثِيرُه فَقَلِيلُه حَرامٌ ) )، والعلة هي ما قلناه.

3 -تحريم الخلوة بالأجنبية، لئلا تفضي إلى المحذور.

4 -تحريم عقد النكاح في حال العدة وإن تأخر الوطء، منعًا لذريعة الدخول قبل

(1) انظر (( أعلام الموقعين ) )ج 3 ص 121 - 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت