فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 243

ومن العرف القولي العام: اطلاقه لفظ الدابة على ذوات الأربع، ولا يطلقونها على الإنسان. وتعارفهم على استعمال لفظ الطلاق على إزالة الرابطة الزوجية. ومن العرف القولي الخاص: الألفاظ التي اصطلح عليها أهل العلوم وأصحاب الحرف والصناعات التي يريدون بها عند إطلاقها المعاني الاصطلاحية، دون معانيها اللغوية.

237 -والعرف الصحيح ما لا يخالف نصًا من نصوص الشريعة، ولا يفوت مصلحة معتبرة، ولا يجلب مصلحة راجحة، كتعارف الناس على أن ما يقدمه الخاطب إلى مخطوبته من ثياب و نحوها يعتبر هدية ولا يدخل في المهر. و كتعارفهم عند عقد المهر على دعوة جمهور من الناس و تقديم الحلوى إليهم. و كتعارف أهل بغداد قبل خمسين سنة على قيام أصحاب البيوت بتقديم الغداء إلى من يشتغل عندهم من عمال البناء، وكذلك تعارف أصحاب المقاهي على تقديم الغداء والعشاء إلى صناعهم. و كتعارف الناس في العراق على أن المهر المؤجل لا يستحق، ولا يطالب به، إلا بعد الفرقة بالطلاق أو الموت.

والعرف الفاسد: ما كان مخالفًا لنص الشارع، أو يجلب ضررًا، أو يدفع مصلحة، كتعارف الناس استعمال العقود الباطلة كالاستقراض بالربا، من المصارف، أو من الأفراد، ومثل اعتيادهم الميسر «كاليناصيب، وسباق الخيل والورق، و النرد» ونحو ذلك.

238 -حجية العرف:

اعتبر العلماء العرف أصلًا من أصول الاستنباط تبنى عليه الأحكام. ومن أقوالهم الدالة على حجية العرف: «العادة محكمة» و «المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا»

وأراد بعضهم (1) الاستدلال بقوله تعالى:: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف:199] على حجية العرف وكونه دليلًا معتبرًا في الشرع، ولكن هذه الحجة ضعيفة، لأن العرف في الآية هو المعروف، وهو ما عرف حسنه، ووجب فعله، وهو كل ما أمرت به الشريعة. واحتج البعض (2) بالحديث المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ» عل حجية العرف، وهذا الاستدلال ضعيف، فقد قال غير واحد من العلماء: أنه موقوف على ابن مسعود ودلالته تشير إلى حجية الإجماع لا العرف (3) ، إلا إذا كان مستند الإجماع عرفًا صحيحًا، فتكون دلالة هذا الأثر قاصرة عل نوع من أنواع العرف لا على مطلق العرف.

والحق، أن العرف معتبر في الشرع، ويصح ابتناء الأحكام عليه، وهو في الحقيقة ليس بدليل مستقل، ولكنه يرجع إلى أدلة الشريعة المعتبرة، والدليل عل ما نقوله من وجوه عديدة منها:

أولًا: وجدنا الشارع الحكيم يراعي أعراف العرب الصالحة، من ذلك: إقراره أنواع المتاجرات والمشاركات الصحيحة عندهم كالمضاربة، والبيوع و الإجارات الخالية من المفاسد (4) .ووجدناه يستثني السلم، لجريان، عرف

(1) (( الفروق ) )للقرافي ج 3 ص 149.

(2) الكاساني في""بدائع الصنائع"ج 5 ص 223، و"المبسوط"للسرخسي ج 12 ص 138."

(3) الآمدي ج 3 ص 112.

(4) أنظر"شرح الكنز"للزيلعي إذ يقول في جزء 5 ص 52: فإن الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يتعاملون المضاربة فتركهم عليها.

أهل المدينة به، من عموم نهيه عن بيع الإنسان ما ليس عنده. و نهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بمثله من التمر، خرصًا، أي تخمينًا، لتعارفهم هذا النوع من البيع وحاجتهم إليه. فدلت هذه التصرفات من الشارع الحكيم على رعاية العرف الصالح الذي استقرت عليه معاملات الناس. أما العرف الفاسد، فقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت