رأيناه لا يرعاه بل يأتي عليه بالإبطال والإلغاء، كما فعل في التبني، وهومن عادات الجاهلية، وكما فعل في عدم توريثهم النساء إذ ألغاه وجعل للنساء نصيبًا مفروضًا من الميراث.
ثانيًا: إن العرف في حقيقته يرجع إلى دليل من أدلة الشرع المعتبرة، كالإجماع والمصلحة المرسلة، والذرائع. فمن العرف الراجع إلى الإجماع: الاستصناع، ودخول الحمامات، فقد جرى العرف بهما بلا إنكار فيكون من قبيل الإجماع، والإجماع معتبر. ومن العرف ما يرجع إلى المصلحة المرسلة، لأن العرف له سلطان على النفوس فمراعاته، من باب التسهيل عليهم، ورفع الحرج عنهم، ما دام العرف صالحًا لا فاسدًا.
كما أن في تحويلهم عن العرف مشقة و حرجًا، و الحرج مرفوع لأنه مفسدة، وقد أشار إلى هذا المعنى السرخسي في"مبسوطه"إذ يقول: (( ... لأن الثابت في العرف ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزوع عن العادة الظاهرة حرجًا بينًا ) ) (1) .
ثالثًا: احتجاج الفقهاء بالعرف، في مختلف العصور، و اعتبارهم إياه في اجتهادهم، دليل على صحة اعتباره، لأن عملهم به ينزل منزلة الإجماع السكوتي، فضلًا عن تصريح بعضهم به، وسكوت الآخرين عنه، فيكون اعتباره ثابتًا بالإجماع.
239 -شروط اعتبار العرف لبناء الأحكام عليه:
(1) (( المبسوط ) )ج 13 ص 14.
يشترط في العرف لاعتباره، وبناء الأحكام عليه، ما يأتي:
أولًا: أن لا يكون مخالفًا للنص، بأن يكون عرفًا صحيحًا، كما في الأمثلة التي ضربناها للعرف الصالح. ومثله أيضًا: تعارف الناس على أن الوديع مأذون بتسليم الوديعة إلى من جرت العادة بجواز التسليم إليه كزوجة المودع وأولاده وخادمه. ومثله: وقف المنقول، والشروط المقترنة بالعقود التي يقضي بها العرف الصحيح. فإن كان مخالفًا للنص فلا عبرة به، كالتعامل بالربا، وإدارة الخمور في الولائم، وكشف العورات، فهذا ونحوه غير معتبر بلا خلاف (1) .
والمقصود بالعرف المخالف للنص، ما كان مخالفًا له له من كل وجه بحيث يترتب على الأخذ به إبطال العمل بالنص بالكلية، كما في الأمثلة التي ضربناها.
أما إذا لم يكن بهذه الكيفية فلا يعد مخالفًا للنص، فيعمل به في دائرته، ويعمل بالنص فيما عدا ما قضى به العرف، كما في عقد الاستصناع، فهو في الحقيقة بيع معدوم، و بيع المعدوم في الشريعة لا يجوز، ولكن جاز الاستصناع لتعامل الناس بدون إنكار، فيعمل به للعرف، ويمنع ما عداه آخذًا بقاعدة بيع المعدوم لا يجوز.
ثانيًا: أن يكون مطردًا أو غالبًا. ومعنى الاطراد: أن تكون العادة كلية، بمعنى أنها لا تتخلف، و قد يعبر عنها بالعموم، أي يكون العرف مستفيضًا شائعًا بين أهله، معروفًا عندهم، معمولًا به من قبلهم. ومعنى الغلبة: أن تكون أكثرية، بمعنى أنها لا تتخلف إلا قليلًا.
والغلبة أو الاطراد، إنما يعتبران إذا وجدا عند أهل العرف، لا في الكتب الفقهية لاحتمال تغيرها.
ثالثًا: أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجودًا وقت إنشائه بأن يكون حدوث العرف سابقًا على وقت التصرف، ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه.
(1) جاء في (( المبسوط ) )ج 12 ص 196: و كل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر.