فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 243

وعلى هذا يجب تفسير حجج الأوقاف والوصايا والبيوع ووثائق الزواج، وما يرد فيها من شروط واصطلاحات على عرف المتصرفين الذي كان موجودًا في زمانهم، لا على عرف حادث بعدهم. قلو وقف شخص غلة عقاره على العلماء أو على طلبة العلم، وكان العرف القائم وقت الوقف يصرف معنى العلماء إلى من له خبرة في أمور الدين دون شرط آخر، وأن المقصود بطلبة العلم، طلبة العلم الديني، فإن غلة الوقف تصرف إلى هؤلاء العلماء دون اشتراط حصول الشهادة، إذا صار العرف الطارئ يستلزم الشهادة، كما يصرف إلى طلبة العلم الديني دون غيرهم، وإن كان العرف الطارئ يعنيهم وغيرهم.

رابعًا: أن لا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، كما إذا كان العرف في السوق تقسيط الثمن واتفق العاقدان صراحة عل الأداء، أو كان العرف أن مصاريف التصدير على المشتري، واتفقا على أن تكون على البائع، أو كان العرف أن مصاريف تسجيل العقار في الطابو على المشتري، واتفق الطرفان عل جعلها على البائع. والقاعدة هنا (( ما يثبت بالعرف بدون ذكر، لا يثبت إذا نص على خلافه ) ) (1) .

240 -العرف مرجع لتطبيق الأحكام:

ويعتبر العرف أيضًا مرجعًا لتطبيق الأحكام على الحوادث و الوقائع الجزئية، من ذلك أن العدالة شرط لقبول الشهادة استدلالًا بقوله تعالى:: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق:2] ، والعدالة عند الفقهاء: ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. فما يخل بالمروءة يعتبر قادحًا بالعدالة، وما يخل بها يختلف باختلاف الزمان والمكان، ومن ذلك ما ذكره الشاطبي إذ يقول: (( مثل كشف الرأس، فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح ) ).

(1) (( القواعد ) )للعز بن عبد السلام ج 2 ص 178.

وكذلك عند تطبيق الحكم الوارد في النص القرآني: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:233] . يرجع إلى العرف لتقدير النفقة، لأن النص لم يبين مقدارها.

قال الإمام الجصاص في كتابه (( أحكام القرآن ) )ما نصه: (( فإذا اشتطت المرأة وطلبت من النفقة أكثر من المعتاد لمثلها، لم تعط .. وكذلك إن قصر الزوج عن مقدار نفقة مثلها في العرف والعادة لم يحل ذلك ويجبر على نفقة مثلها ) ) (1) .

وهكذا ما أوجبه الشارع ولم يحدد مقداره، يصار إلى العرف لتقديره.

241 -تغيير الأحكام بتغير الأزمان:

الأحكام المبنية على العرف والعادة، تتغير إذا تغيرت العادة، وهذا هو المقصود من قول الفقهاء: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، وفي هذا يقول الإمام باب الدين القرافي (( إن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعواض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى، لحمل الثمن في البيع على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها. و كذلك إذا كان الشيء عيبًا في الثياب في عادة رددنا به المبيع، فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبًا موجبًا لزيادة الثمن لم ترد به. وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء .. وعلى هذا القانون تراعى الفتاوي على طول الأيام، فمهما تجدد العرف فاعتبره. ومهما سقط فأسقطه ) ) (2) .

وعلى هذا الأساس اختلفت الأحكام، من ذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة من الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، فلم يشترط تزكية الشهود فيما عدا الحدود والقصاص لغلبة الصلاح على الناس وتعاملهم بالصدق، ولكن في زمان ر أبي يوسف ومحمد كثر الكذب. فصار في الأخذ بظاهر العدالة مفسدة وضياع الحقوق، فقالا بلزوم تزكية الشهود. وقال الفقهاء عن هذا الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان. و مثله أيضًا: سقوط خيار الرؤية برؤية ظاهر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت