فهرس الكتاب
ويبدو لي أن القول الأخير أدنى للقبول، ويدل عليه استقراء النصوص التي وردت فيها الأوامر بعد النواهي، فالاصطياد كان مباحًا قبل التحريم، فلما جاء الأمر به بعد زوال سبب التحريم عاد إلى الإباحة. والكسب بأسبابه كان مباحًا قبل النهي عنه عند سماع نداء الصلاة للجمعة، فلما جاء الأمر به بعد زوال المانع عاد إلى الإباحة. والقتال في غير أشهر الحرم كان واجبًا على المسلمين، فلما جاء النهي عنه في أشهر الحرم صار حرامًا، ثم لما جاء الأمر بالقتال بعد انتهاء الأشهر الحرم عاد حكم القتال إلى الوجوب كما كان قبل التحريم.
(1) (( شرح مسلم الثبوت ) )ج 1 ص 380. الآمدي ج 3 ص 260 - 262. (( المسودة في أصول الفقه ) )لآل تيمية ص 18.
271 -دلالة الأمر على التكرار:
التكرار .. هو أن تفعل فعل فعلًا ثم تعود إليه فهل يقتضي الأمر إيجاد المأمور به على وجه التكرار، أي فعله المرة بعد المرة، أم لا؟
المختار من الأقوال في هذا الصدد: أن الأمر لا يدل على التكرار، لأن صيغة الأمر لا تدل إلا على مطلق طلب الفعل من غير إشعار بوحدة أو تكرر، إذ هي موضوعة لهذا المعنى فتكرار المأمور به أو إيقاعه مرة واحدة خارج عن ماهية صيغة الأمر ولا دلالة فيها على واحد منها حسب الوضع. ولكن لما كان تحصيل المأمور به لا يمكن بأقل من مرة واحدة صارت المرة الواحدة ضرورية للإتيان بالمأمور به، لا أن الصيغة بذاتها تدل عليها (1) .
وعلى هذا فالأمر المطلق يدل على مجرد طلب إيقاع الفعل المأمور به، ويكفي للامتثال إيقاعه مرة واحدة، إلا إذا اقترن به ما يدل على إرادة التكرار كأن يعلق الأمر على شرط، أو على صفة، اعتبرهما الشارع سببًا للمأمور به، مثل: تعليق الأمر بالوضوء على ارادة الصلاة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] ، فتكرار الوضوء مستند إلى تكرار سببه وهي إرادة الصلاة لا إلى الأمر. و مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2] ، فالأمر بإيقاع الجلد على الزاني يستند الى تحقق علته وهي الزنى، فكلما تكرر الزنى تكرر الجلد، فالتكرار هنا مبني على تكرر علة الجلد، لا إلى الأمر بالجلد (2) .
وإزاء هذا القول المختار قيلت أقوال أخرى، منها: إن الأمر يقتضي التكرار المستوعب لمدة العمر مع الإمكان، إلا إذا قام دليل يمنع من ذلك. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأكثر الحنابلة، وادعوا أن هذا هو المفهوم لغة من صيغة الأمر،
(1) (( المسودة ) )ص 20، (( الإحكام ) )لابن حزم ج 3 ص 318، (( لطائف الإشارات ) )ص 24، و الآمدي ج 2 ص 225 و ما بعدها، و قال بعضهم: ان صيغة الأمر بذاتها تدل على إتيان المأمور به مرة واحدة، الشوكاني ص 97.
(2) الآمدي ج 2 ص 225 - 236، و الشوكاني ص 97.
بدليل ما روي أن النبي عليه السلام قال: (( أيُّها النَّاس إن الله كَتَبَ عليكُم الحجّ ) )فقام رجل من المسلمين، وقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: لو قُلْتُها لوجَبَت، ولو وجَبَت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا، إن الحج مرة وما زاد فتطوع.
و وجه الدلالة بهذا الخبر أن السائل كان عارفًا باللغة العربية، فلو لم يكن الأمر مقتضيًا للتكرار لغة لما سأل ذلك الرجل هذا السؤال، ولخطأه الرسول - صلى الله عليه وسلم - (1) .
والحق أن هذا الاستدلال ضعيف، ولا ينهض حجة لما ذهبوا إليه، إذ يمكن أن يقول: إن هذا الخبر يدل على عكس ما ذهبوا إليه، لأنه لوكان الأمر يدل على التكرار لغة فلم سأل هذا السؤال؟ ألا يدل سؤاله على أن المفهوم لغة من الأمر هو مجرد طلب الفعل لا تكراره، فأراد أن يتأكد من بقاء هذا المفهوم بالنسبة للحج أو إلحاقه بالعبادات المتكررة كالصلاة