فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 243

والزكاة؟ يوضحه أن بعض العبادات كالصلاة والصيام والزكاة تتكرر بتكرر الأوقات. والحج متعلق بالزمان والمكان فكان له شبه بالعبادات المتكررة، فاستشكل عليه الأمر، أيلحق بها باعتبار تعلقه بالزمان، أو لا يلحق بها باعتبار تعلقه بالمكان؟ و لهذا سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - دفعًا لهذا الإشكال.

272 -دلالة الأمر على الفورية أو التراخي (2) :

هل يدل الأمر على فعل المأمور به فورًا أو على التراخي؟ اختلاف عند الفقهاء، فالقائلون بالتكرار، يقولون بالفور. وأما غيرهم فيقولون: الأمر إما مقيد بوقت، وإما غير مقيد بوقت.

والأول إما أن يكون مقيدًا بوقت موسع أو مضيق. فالموسع يجوز فيه التأخير إلى آخر الوقت، أي يجوز تأخير أداء الواجب الى آخر الوقت، والمضيق لا يحتمل التأخير.

وأما غير المقيد بوقت محدد كالأمر بالكفارات، فهو لمجرد طلب الفعل في المستقبل، فيجوز التأخير، أي إتيان المأمور به على التراخي كما يجوز إتيانه فورًا.

(1) (( شرح المنار ) )ص 136 و ما بعدها. (( شرح مسلم الثبوت ) )ص 384. (( المسوّدة ) )ص 20.

(2) (( لطائف الإرشادات ) )ص 24، (( الإحكام ) )لابن حزم ج 3 ص 294، (( ارشاد الفحول ) )ص 8، الآمدي ج 2 ص 242 و ما بعدها.

وهذا هو الصحيح عند الحنفية والجعفرية ومن وافقهم، وهو الراجح عندنا، لأن صيغة الأمر لا تدل إلا على مجرد الطلب في الزمان المستقبل في أي جزء منه، وإنما تستفاد الفورية من القرينة، كقول القائل لخادمه: اسقني ماء، فإن العادة قاضية بأن طلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة ولحوق العطش، فيكون الأمر دالًا على الفورية في هذه الحالة للقرينة.

ومع أن الأمر للتراخي لا للفور، فإن المسارعة إلى أداء الواجب خير من التأخير، لأن في التأخير آفات، وربما يلحق الإنسان الموت قبل أداء الواجب، لأن الآجال مجهولة وهي بيد الله، ولهذا المعنى تستحب الفورية. قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة:48] ، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [آل عمران:133] ، فلفظ (( فاستبقوا ) (( سارعوا ) )تدلان على استحباب المبادرة إلى أداء الواجب، و لا تدلان على الوجوب، لأنه لا يقال لمن يأتي بالواجب في وقته: مستبق أو مسارع (1) .

273 -ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:

علمنا مما تقدم: أن الأمر يفيد الوجوب، أي إيجاد الفعل المأمور به على وجه الحتم والإلزام، وصيرورة هذا الفعل واجبًا في حق المخاطب. ولكن إيجاد الفعل المأمور به، أي الواجب، قد يتوقف على إيجاد شيء آخر، فهل يكون هذا الشيء واجبًا أيضًا بنفس الأمر الأول الذي أثبت أصل الواجب، أم لا؟ للجواب على هذا السؤال لا بد من شيء من التفصيل، فنقول: الشيء الذي يتوقف عليه إيجاد الواجب قسمان:

القسم الأول: أن لا يكون مقدورًا للمكلف، مثل: الاستطاعة لأداء واجب الحج، و النصاب للزكاة، و تكامل العدد اللازم لأداء صلاة الجمعة، و نحو ذلك.

فهذا القسم لا يكلف به الإنسان ولا يتناوله الأمر، فلا يجب على المكلف تحصيل

(1) (( شرح مسلم الثبوت ) )ج 1 ص 288 - 289، (( شرح المنار ) )ص 222 و ما بعدها.

(2) (( تيسر التحرير ) )ج 2 ص 365 و ما بعدها، (( المستصفى ) )للغزالي ج 1 ص 71 - 72، (( المسودة في أصول الفقه ) )ص 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت