فهرس الكتاب
والحنفية يجيبون على حجة الجمهور بأن التخصيص بهذه الأحاديث لأحد سبين: الأول: إما أن عام القرآن خصص بدليل قطعي، فصارت دلالته على الباقي من أفراده ظنية، فجاز تخصيص العموم في الباقي بدليل ظني كما في آية: (( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ .. ) )الآية، فإن (( ما ) )
لفظ عام يشمل بعمومه المشركات وغيرهن، ولكن خص بقوله تعالى: (( وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ) ) [البقرة:221] فصار بعد هذا التخصيص قابلًا للتخصيص بدليل ظني كخبر الآحاد الذي قالوه وهو: (( لا تُنْكَح المرأة عل عمتها ولا على خالتها ) ).
أما الأحاديث الأخرى التي احتجوا بها، فهي من السنة المشهورة المستفيضة، والسنة المشهورة يجوز تخصيص عام القرآن بها.
والحق، إن تخصيص القرآن بسنة الآحاد قد وقع، واحتج به العلماء، وما دفع به الحنفيةمن أن هذه الأحاديث مشهورة، لا يسلم لهم، إذ لا دليل لهم عليه، وإذا
صحت شهرة بعض الآحاد. فإن البعض الآحر يبقى من أخبار الآحاد كما بين علماء الحديث.
وعلى أية حال، فإن الخلاف بين الأحناف والجمهور تضيق دائرته إذا علمنا، كما ذكرنا في بحث السنة، أن من أنواع خبر الآحاد، عند الجمهور، السنة المشهورة، وهذه السنة يجوز بها تخصيص عام القرآن على رأي الحنفية.
291 -الأمر الثاني:
عند اختلاف حكم العام مع الخاص، بأن يدل أحدها على حكم يخالف ما دل عليه الآخر في مسألة معينة، يثبت أصحاب القول الأول، القائلون بالقطعية، التعارض بينهما لاستوائهما في قطعية الدلالة، وفي هذه الحالة إذا علم اقترانهما في الزمان كان الخاص مخصصًا للعام، وإن تأخر عنه في الورود كان الخاص ناسخًا للعام في بعض أفراده، وإن جهل تاريخ الورود عمل بالراجح منهما حسب قواعد الترجيح. فإن لم يوجد تساقطا ولم يحتج بواحد منهما.
أما أصحاب القول الثاني، القائلون بظنية دلالة العام على العموم، فإنهم لا يثبتون التعارض بين العام والخاص، لأن الخاص قطعي الدلالة، والعام ظني الدلالة، والقطعي يقدم على الظني فيعمل به دونه، أي يخصص به العام سواء علمنا أيهما أسبق تاريخًا أو جهلنا التاريخ، وهذا عند الحنابلة والشافعية ومن واققهم.
من ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما سَقَتْه السماء ففيه العشر ) )، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) )، فالحديث الأول عام يشمل قليل الزرع وكثيره، وأن فيه العشر .. والثاني خاص لا يشمل غير ما ورد فيه، وهو خمسة أوسق، فلا يشمل ما هو أقل منه، فالجمهور اخذوا بالثاني، لأنه خاص ودلالته قطعية، ولم يأخذوا بالأول، لأنه عام ودلالته ظنية، فلم يوجبوا الزكاة فيما دون خمسة أوسق.
والحنفية، من أصحاب القول الأول، أخذوا بالحديث الأول وإن كان عامًا، لأن دلالته قطعية كدلالة الخاص، ولأنه يوجب الزكاة في القليل والكثير خلافًا