فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 243

إليه، ولا يعول عليه، فتبقى دلالة العام على شمول أفراده قطعية ولا يؤثر فيها مجرد احتمال التخصيص بلا دليل، إذ أن هذا الاحتمال من قبيل التوهم، ولا عبرة بالوهم ولا بالتوهم

298 -واحتج أصحاب القول الثاني، وهم الجمهور، بأن الغالب في العام تخصيصه، وعلى هذا دل استقراء النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العام، فما من عام إلا وقد حصص إلا في القليل النادر، حتى شاع بين أهل العلم: أنه ما من عام إلا وقد خص منه البعض .. فإذا كان تخصيص العام هو الغالب الشائع، فإن احتمال تخصيصه يكون قريبًا، لا وهمًا ولا توهمًا، وبالتالي لا تكون دلالته على الاستغراق قطعية.

290 -ثمرة الخلاف في دلالة العام:

وقد ترتب على خلاف العلماء في قوة دلالة العام، أي من جهة قطعيتها أو ظنيتها، اختلافهم في أمرين:

الأمر الأول:

تخصيص عام القرآن بخاص خير الآحاد. فالعلماء متفقون على أن اللفظ العام الوارد في القرآن يجوز تخصيصه بالقرآن أو بالسنة المتواترة، ولكنهم يختلفون في جواز تخصيصه بسنة الآحاد، لأن القران قطعي الثبوت، والسنة الآحادية ظنية الثبوت، فلا يقوى الظني على تخصيص القطعي، وهذا ما قال به الأحناف، فلا يجوز عندهم تخصيص عام القرآن بسنة الآحاد، الا إذا خصص عام القرآن بمخصص في قوته كنص من القرآن أو بسنة متواترة، لأنه بعد التخصيص يصير ظني الدلالة، فيخصصه ما هو ظني أيضًا كخبر الآحاد. ويقولون أيضًا إن تخصيص العام من قبيل البيان للمراد منه، فلا بد أن يكون المبيِّن في قوة المبيَّن أو أقوى منه.

وعند غير الأحناف، وهم جمهورالعلماء، يحوز تخصيص اللفظ العام الوارد في القرآن.

1 - (( المسودة ) )ص 119 - 134، الآمدي ج 2 ص 472 وما بعدها، (( فواتح الرحموت ) )ج 1 ص 265، (( أصول ) )السرخسي ج 1 ص 133 - 142 و (( التوضيح والتلويح ) )ج 1 ص 41، (( أصول الفقه ) )لأستاذنا ابو زهرة ص 171 وما بعدها.

باللفظ الخاص الوارد في سنة الآحاد، لأن خبر الآحاد إن كان ظني الثبوت فهو قطعي الدلالة لكونه خاصًا، وعام القرآن إن كان قطعي الثبوت فهو ظني الدلالة فتعادلا، فجاز أن يخصص عام القرآن بخاص الآحاد.

ومن الأمثلة لتخصيصات عمومات القرآن بأخبار الآحد، تخصيص قوله تعالى: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ المَيْتَةُ ) )بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( هو الطهور ماؤُه، الحلُّ ميتته ) )، وحديث: (( لا يتوارث أهل ملتين شتى ) )خصص عموم الوارث في آيات المواريث،

وخصصه أيضًا حديث: (( لا يرث القاتل ) )، وخصص عموم قوله تعالى: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... ) )بقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا قطع في أقل من ربع دينار )) ، وحديث: (( لا تُنْكَح المرأة عل عمتها ولا على خالتها ) )خصص العموم الوارد في قوله

تعالى: (( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) ) [النساء:24] .

فوقع التخصيص بسنة الآحاد لعموم القرآن والاحتجاج به، دليل على صحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت