فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 243

وسبب الإجمال قد يكون لأن اللفظ من المشترك الذي لا توجد معه قرائن تعين المعنى المطلوب منه، وقد يكون السبب غرابة اللفظ كما في لفظ (( هلوع ) )في قوله تعالى: (( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) ) [المعارج:19] ولهذا فسرته الآية إذ جاء فيها بعده )):إِذَا مَسَّهُ الشِّرُ جَرُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا )) .ومثله لفظ (( القارعة (( التي جاء تفسيرها في نفس الآية وهي قوله تعالى: ) )الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ. يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ )) [القارعة: 1 - 5] . وقد يكون سبب الإجمال نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي كلفظ الحج والصلاة والزكاة، ولهذا بينت السنة النبوية المعاني الشرعية المرادة من هذه الألفاظ، ولولا بيان الشارع لما أمكن معرفة المعنى الشرعي الذي أراده الشارع من هذه الألفاظ.

-388 حكم المجمل:

التوقف في تعيين المراد منه فلا يجوز العمل به إلا إذا وَرَدَ من الشارع ما يزيل إجماله ويكشف معناه. فإذا كان البيان وافيًا قطعيًا صار المجمل من المفسر كالبيان الذي صدر عنه صلى الله عليه وسلم للزكاة والصلاة ونحوهما، وإن لم يكن البيان بهذه الكيفية صار

1 - (( أصول ) )السرخسي ج 1 ص، 168 خلاف ص 304.

المجمل من المشكل فيحتاج إلى نظر وتأمل لإزالة إشكاله ومعرفة المقصود منه، لأن الشارع لما بين ما أجمله بعض التبيين، فتح الباب للتأمل والاجتهاد لمعرفة المعنى المقصود. ومثاله الربا، ورد في القران مجملا، وبينته السنة النبوية بحديث الأموال الربوية الستة، ولكن هذا البيان ليس وافيًا، لأنه لم يحصر الربا فيها، فجاز الاجتهاد لبيان ما يكون فيه الربا قياسًا على ما ورد في الحديث.

رابعًا:

المتشابه (1)

-339 هو اللفظ الذي خفي المراد منه، فلا تدل صيغته على المراد منه ولا سبيل إلى إدراكه، إذ لا توجد قرينة تزيل هذا الخفاء، واستأثر الشارع بعلمه.

هذا ما قاله علماء الأصول في تعريف المتشابه، ومثلوا له بالحروف المقطعة في أوائل السور مثل «حمعسق» .كما مثلوا له بآيات الصفات كقوله تعالى: (( الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ) ) [طه: 5] (( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )

والحق أن المتشابه بالمعنى الذي أراده الأصوليون ليس من بحث الأصول وإنما هو من أبحاث علم الكلام، ويكفينا هنا أن نقول متعجلين: إن الحروف المقطعة وآيات الصفات ليست من قبيل المتشابه الذي يريدونه، فالحروف المقطعة جاء ت لبيان أن القرآن الكريم مؤلف من هذه الحروف وأمثالها، ومع هذا فقد عجز البشر عن محاكاته وهذه آية إعجازه وكونه من عند الله. وآيات الصفات معناها معروف،

وتحمل على المعنى اللائق بالله عز وجل، أي تثبت له هذه الصفات على نحو يخالف صفات المخلوقين، فكما أن ذات الله لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات، وعلى هذا تدل الآية الكريمة (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ).

ويلاحظ هنا: أن الألفاظ المتشابهة لا توجد في آيات وأحاديث الأحكام الشرعية العملية كما ثبت ذلك بالاستقراء، لأن نصوص الأحكام يراد بها العمل والتطبيق لا مجرد الاعتقاد، ولا يمكن العمل بها إذا كانت متشابهة، وحيث أنها شرعت للعمل بمقتضاها فيلزم أن لا يكون فيها أي اشتباه أو تشابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت