على المجتهد أن يعرف اللغة العربية على وجه يتمكن به من فهم خطاب العرب، ومعاني مفردات كلامهم وأساليبهم في التعبير، إما بالسليقة وإما بالتعلم بأن يتعلم علوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وأدب ومعان وبيان، و إنما كان تعلم اللغة العربية على هذا الوجه ضروريًا للمجتهد، لأن نصوص الشريعة وردت بلسان العرب فلا يمكن فهمها واستفادة الأحكام منها إلا بمعرفة اللسان العربي على نحو جيد، لا سيما وان نصوص الكتاب والسنة وردت في غاية البلاغة والفصاحة والبيان، فلا يمكن فهمها حق الفهم وتذوق معانيها وإدراك ما تدل عليه إلا بمعرفة اللغة العربية والإحاطة بأساليبها في التعبير وأسرارها البلاغية والبيانية، وما توميء إليه كلماتها وعباراتها .. وبقدر تضلع المجتهد في معرفة اللسان العربي تكون قدرته على فهم النصوص وإدراك معانيها القريبة والبعيدة .. ولكن لا يشترط في المجتهد أن
يعرف اللغة معرفة أئمتها والمشهورين فيها، و إنما يكفيه منها القدر اللازم لفهم النصوص الشرعية فهمًا سليمًا، يمكنه من معرفة المراد منها.
ثانيًا: معرفة الكتاب:
ومن شروط الاجتهاد التي تلزم المجتهد معرفة الكتاب، إذ هو أصل الأصول ومرجع كل دليل، فلا بد للمجتهد أن يعرف آياته جميعًا معرفة إجماليه، ويعرف آيات الأحكام فيه معرفة تفصيلية، لأن من هذه الآيات تستنبط الأحكام الشرعية العملية، وقد قدرها يعض العلماء بخمس مئة آية.
والحق: إن آيات الأحكام غير محصورة بهذا العدد، إذ يمكن بالنظر الدقيق والتأمل العميق والإدراك الجيد استنباط الأحكام من الآيات الأخرى حتى لو كانت في القصص والأمثال. وعلى كل حال فلا يلزم المجتهد حفظ آيات الأحكام بل يكفيه أن يعرف موضعها من الكتاب حتى يسهل عليه الرجوع إليها وقت الحاجة، وقد اعتنى العلماء بجمع هذه الآيات وشرحها و بيان الأحكام التي تدل عليها وصنفوا في هذا الموضوع مصنفات كثيرة مثل كتاب أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص المتوفى سنة 370 هـ. وكتاب أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي المتوفى سنة 543 هـ. كما أن بعض المفسرين للقرآن الكريم اعتنوا بتفسير آيات الأحكام عناية خاصة، فوقفوا عندها وقفة طويلة، وبينوا الأحكام التي تستفاد من هذه الآيات، وأقوال الفقهاء فيها، ومن هذه التفاسير تفسير القرطبي المتوفى سنة 761 هـ الذي سماه (( الجامع لأحكام القرآن ) )وتفسير الطبرسي من فقهاء القرن السادس الهجري وقد سماه (( مجمع البيان في تفسير القرآن ) ). فهذه الكتب و نحوها تسهّل على المجتهد في الوقت الحاضر الرجوع إلى آيات الأحكام وإدراك ما تدل عليه من معان وأحكام.
ومن معرفة الكتاب، المعرفة بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن الكريم، وهذا النوع وإن كان قليلًا إلا أن معرفته لازمة للمجتهد، ومن الكتب المؤلفة في هذا الباب
كتاب (( الناسخ و المنسوخ ) )للإمام أبي جعفر محمد ابن أحمد المشهور بالنحاس، والمتوفى سنة 338 هـ.
وعلى المجتهد، فضلًا عما ذكر، أن يعرف أسباب نزول الآيات المتعلقة بالأحكام، لأن هذه المعرفة تعينه كثيرًا على فهم المراد من الآية.
ثالثًا: معرفة السنة:
بأن يعرف المجتهد صحيحها من ضعيفها، وحال رواتها، ومدى عدالتهم وضبطهم وورعهم وفقههم، ويعرف متواتر السنة من مشهورها و آحادها، وأن يفهم معاني الأحاديث وأسباب ورودها، ويعرف درجات الأحاديث في الصحة والقوة وقواعد الترجيح فيما بينها، والناسخ والمنسوخ منها. ولا يشترط أن يعرف جميع الأحاديث بل يكفيه أن يعرف منها أحاديث الأحكام. ولا يشترط في معرفة هذه الأحاديث أن يحفظها عن ظهر قلب، بل يكفيه أن تكون عنده كتب السنة الصحيحة ويعرف مواضع أحاديث الأحكام فيها، كما يكفيه أن تكون عنده كتب الجرح والتعديل لأئمة الحديث حتى يعرف حالة الرواة. وإنما قلنا: يكفيه ما ذكرنا، لأن الوصول إلى معرفة السنة على الوجه الذي ذكرناه من قبل المجتهد نفسه أصبح من الأمور العسيرة في الوقت الحاضر فلا بد من الاعتماد والتعويل على علماء الحديث و أئمتهم.
وقد اعتنى العلماء بجمع أحاديث الأحكام، وصنفوا فيها المصنفات، ورتبوها حسب أبواب الفقه، وشرحوها الشروح المختصرة والمطولة، وبينوا ما فيها من أحكام ومقارنتها بمذاهب فقهاء الأمصار، وتكلموا عن أسانيدها، مما سهل على