وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه. ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به, فإن الله ناصره وهاديه. وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب - فقال تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} [1] . وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفا وجلالة؛ إذ يقول في كتابه: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [2] وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسئول غدا بين يدي الله) انتهى.
ولما كان منصب الاجتهاد بهذه الخطورة فقد وضع العلماء شروطًا لمن يتولى هذا المنصب لأجل تلافي الأخطار الناجمة عن اجتهاد من لا تتوفر فيه تلك الشروط واعتبار اجتهاده غير معترف به، ولا يجوز العمل به.
وهذه الشروط على قسمين:
القسم الأول: الشروط المتعلقة بالمجتهد. وهي كالتالي [3] :
(1) سورة النساء آية / 127
(2) سورة النساء آية / 176
(3) ينظر فيما يتعلق بشروط المجتهد: الاجتهاد من كتاب التلخيص لإمام الحرمين الجويني 1/ 124 , والرسالة للشافعي ص 509 - 511، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر 2/ 61، ومجموع الفتاوى لتقي الدين ابن تيمية 20/ 583، وإعلام الموقعين لابن القيم 1/ 46، وإرشاد الفحول للشوكاني 2/ 206.