اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
الأول: وهو للشافعية، والحنابلة، وبعض الحنفية، والمفهوم من كلام المالكية، ويرون أن الزكاة واجبة على الفور، فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه والتمكن منه إذا لم يخش ضررًا [1] .
الثاني: وهو لعامة الحنفية ويرون أن الزكاة واجبة على التراخي، ومعنى التراخي عندهم أنها تجب مطلقًا عن الوقت، ففي أي وقت أدى يكون مؤديًا للواجب، ويتعين ذلك للوجوب، وإذا لم يؤد إلى أخر عمره يتضيق عليه الواجب، حتى إنه لو لم يؤد حتى مات يأثم [2] .
سبب الخلاف هو: أن الأمر المطلق عن الوقت هل يقتضي وجوب الفعل على الفور أم على التراخي؟ كالأمر بقضاء صوم رمضان، والأمر بالكفارات، والنذور المطلقة، وسجدة التلاوة، ونحوها [3] . فمن رأى أن الأمر للفور لم يجز تأخير الزكاة عن وقت وجوبها، ومن رأى أنه على التراخي أجاز التأخير.
استدل أصحاب القول الأول على أن الزكاة واجبة على الفور بالآتي:
-إن حاجة المستحقين إليها ناجزة إذا تمكن المزكي من الأداء كسائر الواجبات، فإن أخر بلا عذر أثم، وضمن إن تلف.
-إن جواز التأخير ينافي الوجوب، لكون الواجب ما يعاقب صاحبه على تركه، ولو جاز التأخير لجاز إلى غير غاية فتنتفي العقوبة بالترك.
-إن الأمر المطلق يقتضي الفور، ولذلك يستحق المؤخر للامتثال، العقاب.
-إنها عبادة تتكرر، فلم يجز تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها كالصلاة والصوم [4] .
واستدل أصحاب القول الثاني على أن الزكاة واجبة على التراخي، بأن جميع العمر وقت للأداء، فلا يجوز تقييده بأول أوقات الإمكان، ولهذا لا يضمن بهلاك النصاب بعد التفريط [5] .
(1) بدائع الصنائع: 3/ 3؛ البناية على الهداية: 3/ 12؛ الاختيار لتعليل المختار: 1/ 99.
(2) زاد المحتاج: 1/ 493؛ المغني: 4/ 146؛ بدائع الصنائع: 3/ 3؛ البناية على الهداية: 3/ 12؛ الاختيار لتعليل المختار: 1/ 99؛ شرح منح الجليل: 1/ 377؛ الخرشي: 2/ 226.
(3) بدائع الصنائع: 3/ 3.
(4) المغني: 4/ 146؛ الشرح الكبير والإنصاف: 7/ 139، 140.
(5) البناية على الهداية: 3/ 12.