القول المختار
بعد بيان أقوال الفقهاء أرى أن ما ذهب إليه الحنفية والمالكية هو الأولى بالاختيار للآتي:
أن في النقل لقرابته صلة للرحم، وإعطاء من يعلم يقينًا بحاجته. وأن النقل لمن هو أحوج أو اشد حاجة، صار ضرورة من الضرورات الشرعية، فكان واجبًا، ومن يمعن النظر يجد النقل في هذه الحالة يشبه حالة النقل عند عدم وجود المستحق، لأننا لو قارنا شدة الحاجة، مع عدم شدتها صرنا أمام مستحق، وعدم مستحق.
كما أن في القول بعدم جواز النقل لشدة الحاجة قطع للصلات بين المسلمين، فهم كالجسد الواحد، والمؤمن مأمور بإيثار أخيه المسلم على نفسه، وإزالة الضرر عنه، ولأنه من باب التعاون على البر والتقوى.
صرح الحنابلة بعدم جواز نقل الزكاة لاستيعاب الأصناف. فجاء في الفروع:"ولا يجوز نقل الزكاة لاستيعاب الأصناف إن تعذر بدونه ووجب" [1] .
وعند الشافعية لا يجوز النقل لاستيعاب الأصناف على القول بعدم جواز النقل. فقد جاء في الروضة:"إنه يجب إن جوّزنا نقل الصدقة، وإن لم نجوزه لم يجب" [2] .
ورغم قول الشافعية بهذا إلا أنهم يوجبون استيعاب الأصناف عند توزيع الزكاة، وكان الأخرى بهم أن يجيزوا النقل لاستيعاب الأصناف، قولًا واحدًا فليتأمل.
من يمعن النظر فيما تقدم في مسألة نقل الزكاة، يمكنه القول بأن أسباب منع الزكاة تنحصر في: أن في النقل حرمانا لأهل الحاجة من بلد المال من مال الزكاة، ونقل المال إلى الآخرين دون داع لذلك. ومعنى هذا أنه إذا انتفت حاجة أهل بلد المال إليه، أو كان هناك من هو أحوج لذلك المال في بلد آخر انتفى ذلك المنع، وعلى هذا لا بد من اعتبار هذين الأمرين عند إرادة نقل الزكاة باعتبارهما شروطًا لجوازه من بلد المال إلى بلد آخر.
حتى يمكن القول بجواز نقل الزكاة بلا خلاف، لا بد من تحقق الشروط الآتية:
(1) كتاب الفروع: 2/ 561.
(2) روضة الطالبين: 2/ 329.