أجاب أصحاب القول الأول عما استدل أصحاب القول الثاني بالآتي:
-لو سلمنا أن مطلق الأمر لا يقتضي الفور لاقتضاه في مسألتنا، إذ لو جاز التأخير هاهنا لأخره بمقتضى طبعه ثقة منه بأنه لا يأثم بالتأخير، فيسقط عنه بالموت، أو بتلف ماله، أو بعجزه عن الأداء فيتضرر الفقراء.
-إن هناك قرينة تقتضي الفور وهي: أن الزكاة وجبت لحاجة الفقراء، وهى ناجزة، فيجب أن يكون الوجوب ناجزًا [1] .
مما سبق يتضح أن ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من وجوب الزكاة على الفور هو الأولى بالاختيار لقوة أدلته، ولتوافقه مع ما شرعت له الزكاة من دفع حاجة المحتاج بحصوله على المال وقت الحاجة، وهي غالبًا ما تكون موجودة في كل وقت، كما أن فيها تيسير الأمر على الغني بإعانته على التخلص من الشُح الذي جبلت عليه النفس البشرية، الذي يحركه تراكم الزكوات بتأخير إخراجها عند كل حول.
من يمعن النظر في مسألة تأخير الزكاة، يمكنه حصر الأسباب التي من أجلها منع الفقهاء تأخير الزكاة في الأمور الآتية:
(1) إن في التأخير، وقوع في المحظور، وهو عدم الامتثال لأمر الشارع بإخراج الزكاة عند زمن الوجوب، بناء على أن الأمر المطلق يقتضي الفورية.
(2) إن في التأخير تعريض المال للهلاك، لقول ?: «ما خالطت الصدقة مالًا إلا أهلكته» ، كما أن فيه عدم الاقتداء بفعل رسول الله ?، من مسارعته بإخراج الزكاة وجعلها كالنار.
(3) إن في التأخير تفويت لمصلحة المحتاجين العاجلة، مما يترتب عليه إلحاق الضرر بهم، وذلك لأن الأمر بفورية الزكاة ليس لذاته، إنما بالنظر لما يترتب عليه وهو تحقيق مصلحة المحتاجين.
وإذا كانت تلك هي أسباب منع التأخير، فهذا يعني أن انتفاء تلك الأسباب يبيح التأخير.
(1) المغني: 4/ 146، 147.