من عيش، أو قوامًا من عيش، وما سوى ذلك فهو سحت يأكلها صاحبها سحتا يوم القيام» [1] .
القول المختار
بعد بيان أقوال الفقهاء في المراد بالغارم، يمكن القول بأن ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة هو الأولى بالاختيار للأمور الآتية:
(1) إن لفظ الغارم لا يمنع من دخول الأصناف الثلاثة فيه، ومن ثم يشمل جميع الغارمين.
(2) إن في إعطاء من استدان لإصلاح ذات البين، والضامن تشجيعًا على الإصلاح بين الناس وحلًا لمشاكلهم، وهو مطلب شرعي دعا إليه الإسلام.
(3) إن ظاهر الحديث يدل على دخول الغارم لإصلاح ذات البين وغيره في معنى الغارم الذي يعطى من مال الزكاة.
شرط أخذ الغارم لنفسه من مال الزكاة
ذكر بعض الفقهاء شروطًا لجواز إعطاء الغارم من الزكاة منها:
(1) أن لا يكون قد غرم الدين في معصية مثل: أن يشتري خمرًا، أو يصرفه في زنا، أو قمار، أو غناء، أو نحوه. فإذا كان قد غرمه في مثل هذه الأشياء لم يدفع إليه قبل التوبة شيء، لأنه إعانة على المعصية.
(2) أن يكون مسلمًا، فلا يدفع إلى الكافر، لأنه ليس من أهل الزكاة.
(3) أن لا يكون لديه ما يوفى به دينه.
(4) أن لا يكون قد تداين لأجل أخذ الزكاة، بمعنى أن يكون عنده كفاية وتداين للتوسع في الإنفاق على أن يأخذ من الزكاة، فلا يعطى إلا إذا كان فقيرًا، لأن الفقير الذي تداين للإنفاق منها على نفسه وعائلته بقصد أن يعطى منها لا ضرر عليه في ذلك [2] .
وأضيف إلى تلك الشروط:
(5) أن لا يكون قد تداين بطريق الربا المحرم من أي جهة كانت.
(6) أن يكون قد استدان بسبب الحاجة، فإن كان قد استدان بسبب الفضول، كالتاجر الذي يملك تجارة ويريد التوسع فيها ويستدين لذلك، فلا يعطى لسداد هذا الدين، لأنه ليس للحاجة بل للفضول، وكذلك الذي يستدين للتوسع في السكنى، ونحوها كالسيارات الفارهة، لا يعطى من الزكاة لسداد هذا الدين.
وعلى ما تقدم أرى أن يعطى كل من ثبت غرمه من الأصناف السابقة، بالشروط المذكورة.
المقدار الذي يعطاه الغارم
يعطى الغارم قدر ما يوفى به دينه، ويصير بعده مكتفيًا غير محتاج.
المراد بابن السبيل
جاء في البناية أن ابن السبيل هو: من كان له مال في وطنه وهو في مكان آخر لا شيء له فيه [3] .
وجاء في البدائع: ابن السبيل هو الغريب المنقطع عن ماله [4] .
وجاء في الخرشي: والمشهور أن ابن السبيل الغريب المنقطع [5] ، ومثله في الشرح الصغير [6] .
وجاء في المقنع والشرح الكبير:"ابن السبيل هو المسافر المنقطع به، دون المنشئ للسفر في ذلك" [7] .
وجاء في الروضة: وابن السبيل هو شخصان: أحدهما من أنشأ سفرًا من بلده، أو من بلد كان مقيمًا به، والثاني: الغريب المجتاز [8] .
بالنظر إلى التعريفات السابقة يتضح أن الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، متفقون على أن ابن السبيل هو الغريب المنقطع عن ماله، وأن المنشئ للسفر لا يدخل في مفهوم ابن السبيل.
(1) الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. وقد سبق تخريجه.
(2) الشرح الصغير: 1/ 661، 662؛ روضة الطالبين: 2/ 317، 318؛ الشرح الكبير مع المقنع: 7/ 243، 244.
(3) البناية: 3/ 201.
(4) بدائع الصنائع: 2/ 46.
(5) الخرشي: 2/ 219.
(6) الشرح الصغير: 1/ 663.
(7) المقنع والشرح الكبير: 7/ 252.
(8) روضة الطالبين: 2/ 321.