إن القياس على النصاب بقولكم: إن الحول أحد شرطي الزكاة فلم يجز تقديم الزكاة عليه كالنصاب غير مسلّم للآتي:
إن تقديمها على النصاب تقديم لها على سببها، فأشبه تقديم الكفارة في الأيمان على اليمين، وكفارة القتل على الجرح.
ولأن تقديمها على النصاب تقديم لها على الشرطين، وهاهنا تقديم لها على شرط واحد.
إن قولكم إن للزكاة وقتًا، يجاب عليه بأن الوقت إذا دخل في الشيء رفقًا بالإنسان، كان له أن يعجله ويترك الإرفاق بنفسه كالدين المؤجل، وكمن أدى زكاة مال غائب، وإن لم يكن على يقين من وجوبها، ومن الجائز أن يكون المال تالفًا في ذلك الوقت.
وأما الصلاة والصيام فتعبد محض، والتوقيت فيها معقول، فيجب أن يقتصر عليه.
وأما قولكم إن أداء الزكاة أداء الواجب، ولا وجوب قبل حولان الحول، يجاب عليه بأنه: غير مسلّم لأن الوجوب قبل حولان الحول ثابت قبله لوجود سبب الوجوب، وهو ملك نصاب كامل نام أو فاضل عن الحاجة الأصلية لحصول الغنى به، ولوجوب شكر نعمة المال.
ولو سلمنا بأنه لا وجوب قبل حولان الحول، لكن سبب الوجوب موجود، وهو ملك النصاب، ويجوز أداء العبادة قبل الوجوب بعد وجود سبب الوجوب، كأداء الكفارة بعد الجرح قبل الموت [1] .
بعد بيان آراء الفقهاء وأدلتهم في حكم تعجيل الزكاة يتضح لنا وجاهة القول الأول الذي يرى جواز تعجيل الزكاة، وذلك لقوة ما استدل به، وسلامته من المعارضة، ولما يترتب عليه من آثار تصب في مصلحة المحتاجين.
لما كان تثمير أموال الزكاة يحتاج إلى مدة من الزمن، وأن تلك المدة قد يترتب عليها تأخير في توزيع الزكاة الأمر الذي قد يلحق الضرر بالمستحقين للزكاة، كان من المتعين التعرض لبيان حكم المسألتين الآتيتين:
(1) بدائع الصنائع: 2/ 51؛ البناية: 3/ 90؛ زاد المحتاج: 1/ 498؛ المغني: 4/ 80؛ الكافي: 2/ 181؛ الشرح الكبير: 7/ 181.