أما الشافعية فيرون أن مفهوم ابن السبيل يشمل الغريب المنقطع عن ماله، والمنشئ للسفر من وطنه، أو محل إقامته.
وجه قول جمهور الفقهاء: الذين يرون أن ابن السبل هو المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده.
أن السبيل هو الطريق، وابن السبيل هو الملازم للطريق الكائن فيها، كما يقال: ولد الليل للذي يكثر الخروج فيه، والكائن في بلده ليس في طريق، وليس بمسافر، ولا يثبت له حكم الكائن فيها، ولهذا لا يثبت له حكم السفر بعزمه عليه دون فعله، ولأنه لا يفهم من ابن السبيل إلا الغريب دون من هو في وطنه ومنزله، وإن انتهت به الحاجة منتهاها.
وابن السبيل كعابر السبيل، وقال ابن عباس في قوله تعالى: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} [1] ، هم المسافرون لا يجدون الماء فليتيمموا، فكذا ابن السبيل هو المسافر لا من عزم على السفر [2] .
ووجه قول الشافعية: أن المنشئ للسفر يريد السفر لغير معصية، فأشبه المجتار، فيدفع له ما يحتاج إليه لذهابه وعوده [3] .
القول المختار: بعد بيان آراء العلماء وأدلتهم، أرى أن التوفيق بين القولين ممكن بحيث يعطى من مال الزكاة الغريب المنقطع عن ماله، كما يعطى المنشئ للسفر في حالة الضرورة، أو لأداء واجب عليه، وذلك كحالة دخول الكفار بعض بلاد المسلمين وقتال أهله، ففي هذه الحالة يعطى الذين يريدون الخروج للنجاة ممن لا يجب عليهم الجهاد كالمسنين والأطفال، وكذلك الذين يريدون السفر لبلاد أخرى في حالات الكوارث والنكبات، وكذلك يعطى من يريد أداء الواجب كالأطباء والمسعفون ونحوهم ممن يريدون السفر للمساعدة في الإنقاذ في حالات الكوارث والنكبات التي تصيب بعض بلاد المسلمين لأن سهم ابن السبيل في تقديري إنما جعل ليعالج الحالات الطارئة، فمن تحققت فيه حالة الاضطرار يعطى ومن لا فلا.
وعلى هذا فيكون ابن السبيل هو الغريب المنقطع عن ماله، أو المنشئ للسفر للضرورة أو لأداء واجب، فيجب حمل المذكور في الآية على هذا.
(1) النساء: 43.
(2) الشرح الكبير: 7/ 253؛ الكافي: 2/ 202؛ البناية: 3/ 202.
(3) الشرح الكبير ج 7 ص 253.