ولأن الواجب إيتاء الزكاة والإيتاء هو التمليك والدفع إلى المكاتب تمليك، فأما الإعتاق فليس بتمليك.
ولأن العتق ابتداءً فيه جر الولاء، بمعنى أن الإعتاق يوجب الولاء للمعتق فكان حقه فيه باقيًا ولم ينقطع من كل وجه، فلا يتحقق الإخلاص، فلا يكون عبادة، والزكاة عبادة، فلا تتأدى بما ليس بعبادة، فأما الذي يدفع إلى المكاتب فينقطع عنه حق المؤدي من كل وجه، ولا يرجع إليه بذلك نفع فيتحقق الإخلاص [1] .
وجه أصحاب القول الثاني
استدل أصحاب القول الثاني بالآتي:
(1) عموم قوله تعالى {وَفِي الرِّقَابِ} ، وهو متناول للقن، بل هو الظاهر فيه، فإن الرقبة تنصرف إليه إذا أطلقت، كقوله تعالى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ، وتقدير الآية: وفي إعتاق الرقاب.
(2) إنه إعتاق للرقبة فجاز صرف الزكاة فيه، كدفعه في الكتابة [2] .
الجواب على دليل أصحاب القول الثاني
إن قولكم بأن الرقاب هم المعتقون لا المكاتبون، مخالف للظاهر، لأن المكاتب من الرقاب لأنه عبد، واللفظ عام فيدخل في عمومه [3] .
القول المختار
بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم، وما ورد على بعضها من مناقشة تتضح قوة ما ذهب إليه أصحاب القول الأول الذين يرون أن الرقاب في مصرف الزكاة هم المكاتبون، والله أعلم.
مجال مصرف الرقاب في عصرنا
الرق بأنواعه غير موجود في عصرنا، فهل هذا يعني أن هذا المصرف انقطع وليس هناك مجال لتطبيقه وصرفه، والاستفادة منه؟.
الجواب عن هذا السؤال يمكن من خلال معرفة الهدف من هذا المصرف، والواضح أن هذا المصرف قد خصص لتخليص المسلم من قيد الرق ومذلته، وهو وإن كان قد ورد في هذا الشأن إلا أنه يمكن أن يتسع فيشمل كل من تتوافر فيه علة التخلص من كل ما يمثل إذلالًا وقيدًا على حريته. ومن أهم هذه القيود المذلة التي يلحقها أسر الأعداء للمسلمين في الحروب. وقد صرح بهذا صاحبي المقنع والشرح
(1) بدائع الصنائع: 2/ 45؛ البناية: 3/ 196.
(2) المقنع: 7/ 240.
(3) الشرح الكبير: 7/ 237.