غير الطلبي، فلما تعجب الذين كان فيهم هذا المتصدق تعجب هو الآخر فاستعمل عبارة: (اللهم لك الحمد) استعمال (سبحان الله) عند رؤية ما يتعجب به وأتى بـ (اللهم) معه للتعظيم، ولما أقسم مرة أخرى لتوكيد صدقته فوقعت في يد زانية قالوا: (تصدّق الليلة على زانية) تعجبا من صرفها لها فتعجب هو كذلك من فعل نفسه، وقال: (اللهم لك الحمد على زانية) أي: أتصدق عليها وأنا أريد أن أضعها في مكانها المناسب، ففي قوله: (لك الحمد على زانية) قدّم الخبر (لك) للاختصاص، أي: لك الحمد وليس لي، حيث كان التصدق عليها بإرادتك وإرادة الله تعالى كلها جميلة [1] ، ولذلك تعجب والتعجب من أساليب الإنشاء غير الطلبي.
واستعمال الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لفظة (الليلة) مع الزانية فيها إيماء إلى أن الزنا يكون جرمه أكبر وفعله في الخفية أكثر من السرقة. ثم أقسم أن يتصدق بصدقته ليضعها في موضعها الذي يستحقها، فوضعها في يد غني فتعجب القوم من صرف الصدقة له، وتعجب هو كذلك، لأن إرادة الله فوق إرادته ومشيئته فوق مشيئته.
وجعل الصدقة على هؤلاء الأصناف الثلاثة لحكمة، وقوله: (فأتي) أي: في الرؤيا دون إخباره بوسيلة أخرى سواء ما قيل فيه من سمعه للهاتف من الملك أو عن طريق نبي قوم أو إفتاء عالم، لأنه جاء في مستخرج أبي نعيم (فأتي في منامه) [2] .
ثمّ وضّح له أن صدقته قد قبلت وأنها وقعت على سارق لعله يكف عن سرقته، والزانية لعلها تستعف عن زناها، والغني ليعتبر، واستعمال الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لفظة (لعل) في المرات الثلاثة للرجاء والأمل في توبة هؤلاء الثلاثة ورجوعهم عن ذنوبهم، والرجاء أسلوب من أساليب الإنشاء غير الطلبي.
والسين في (يستعف، وتستعف) إيماء إلى أن الذي يألف ذنبا من الصعوبة تركه بسهولة. وعبارة (لعله أن يستعف عن سرقته) أي: يطلب العفاف عن أموال الناس بغير حق، وقد وجد في خبر لعل (أن) لتكون شبيهة بـ (عسى) التي تفيد الرجاء، ولأن السارق أكثر غلظة، فزاد في المبنى ليزيد الدلالة والمعنى، وكذلك مع الغني لأن الرجل يحتاج إلى ردع أكبر من المرأة، وتكرار (لعل) لتوكيد المعاني الثلاثة أكثر مما لو جاءت مرة واحدة.
وخلاصة القول أن في هذا الحديث أساليب إنشائية غير طلبية ثلاثة هي:
1 ـ القسم: (قسم مقدر) .
(1) ينظر: عمدة القاري 8/ 286؛ وفتح الباري 3/ 23.
(2) عمدة القاري 8/ 287.