الثلاث قد قبلت، كما في رواية الطبراني [1] ، فللسارق عسى أن يتوب من سرقته، وللزانية علّها تستعف، وللغني عسى أن يتعظ ويعطي زكاة ماله، وينفق مما آتاه الله تعالى.
ويستنتج من الحديث فوائد كثيرة منها:
1 ـ أن الصدقة عند هؤلاء كانت لأهل الخير والفقراء.
2 ـ وأن الله تعالى يقبل الصدقة إذا كانت لوجهه سبحانه، وإن كانت في غير موضعها إن كان صاحبها لا يعلم بذلك، وذلك حينما علم بأن صدقته وقعت في يد غني، وهذا رأي أبي حنيفة، أما الشافعي فيقول عليه الإعادة [2] في الزكاة، فعليه دفعها للفقراء والمساكين.
3 ـ وإن صدقة السر أفضل من الجهر، قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [3] .
4 ـ وفي الحديث اعتبار المتصدق عليه بأن يغيّر حاله ويرجع من ضلاله ويتوب من ذنبه ليستعف السارق من سرقته والزانية من زناها والغني من بخله.
والحديث الشريف فيه اكثر من أسلوب من أساليب الإنشاء غير الطلبي، ففي قوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (لأتصدقنّ بصدقة) أسلوب قسم محذوف دلت عليه اللام الواقعة في جواب قسم مقدر ونون التوكيد الثقيلة في الفعل (لأتصدقنّ) فالمقسم به وهو لفظ الجلالة (الله) محذوف، واستنتجت بأن المقسم به هو الله تعالى، لأن الصدفة لا تقبل إلاّ من مؤمن بدين الله تعالى والمؤمن لا يحلف إلاّ به وبصفاته، وحرف القسم كذلك محذوف وهو (الواو) والمقسم عليه هو (لأتصدقن بصدقة) ، وقد جاء القسم لتوكيد الجملة.
وقوله (- صلى الله عليه وسلم -) (فأصبحوا يتحدثون) جملة (يتحدثون) في محل نصب خبر (أصبح) وقوله: (تصدقّ على سارق) تعجبوا بالصدقة حين تصدق على سارق، ومعنى ذلك أن صدقاتهم لايجوز أن تعطى لسارق، ولهذا كان قولهم تعجبا، والتعجب من أساليب الإنشاء
(1) عمدة القاري 8/ 287.
(2) م. ن 8/ 287.
(3) سورة البقرة، الآية: 271.