فعلى الإنسان المؤمن أن يحمد الله تعالى في كل حال مقتديًا برسوله (- صلى الله عليه وسلم -) كما علمنا في هذا الحديث وغيره، لأنه يستحق الحمد على ما أنعم علينا بنعم شتى لاتعد ولا تحصى، فهو الذي أطعمنا وسقانا وأعطانا من كل شيء ما يكفينا وجعل لنا مأوى نأوي إليه، وهناك الكثير من الناس لا كافي لهم ولا مؤوي، لأنهم قطعوا الصلة مع الله تعالى، أو هناك الكثير من الناس دائم الحاجة عظيم الفاقة، فليس له راحم أو من يعطف عليه.
استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لفظة (كم) وهي اسم مبني على السكون يفيد التكثير و (من) حرف جر و (مَن) تمييز كم الخبرية مبني على السكون في محل جر وجاء بحرف الجر هنا لتأكيد التكثير المتضمن له كم الخبرية.
وفي الحديث تنبيه العاقل إلى النظر إلى من دونه من المال والمأوى حتى لا يزدري نعم الله تعالى عليه.
فإذا فصل التمييز منها وجب نصبه ولا يجوز جرّه إلاّ في ضرورة الشعر أو حين تكون الجملة فعلية فعلها متعد لم يستوف مفعوله وجب جر التمييز بالحرف (من) لمنع اللبس كقوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [1] فـ (كم) مبني في محل نصب مفعول به للفعل تركوا و (من جنات ... ) تمييز كم الخبرية، وجيء بـ (من) منعًا للبس في مفعول الفعل المتعدي الذي لم يستوف مفعوله.
ومن الجائز حذف تمييز (كم) إذا دلّ عليه دليل كقول عبد الرحمن بن أبي بكر (- رضي الله عنه -) أنه قال: (( فتفرقنا اثني عشر رجلًا مع كل رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون ) ) [2] .
ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر (- رضي الله عنه -) أنهم تفرقوا إلى اثني عشر رجلًا، فصار مع كل رجل نقيب أناس كثيرون، وما استطاع تحديد عددهم، حتى قال: (الله أعلم كم مع كل رجل) فجاء بـ (كم) الخبرية لتدل على الكثرة، وهنا (كم الخبرية) محذوف تمييزها لوجود قرينة (أناس) التي سبقت (كم) وتقدير التمييز هو (الله أعلم كم إنسان أو رجل مع كل رجل) .
(1) سورة الدخان , الآية: 25.
(2) ر 1503/ 440.