فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 222

ولا يخلو من التعجب به.

يشبه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الهدى والعلم بالغيث لأنه يحيي القلوب الميتة كإحياء المطر للأرض اليابسة، وذلك بقوله: (( إن مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءًا ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ).

وقد شبه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) للأمثلة الثلاثة التي ضربها للإتعاظ والاعتبار، ففي المثل الأول شبه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الأرض الطيبة التي تقبل الماء فتنبت الكلأ والعشب الكثير بمن فقه في دين الله وعلم وعلّم (ومثل من لم يرفع رأسًا) هذا مثل الطائفة الثالثة التي أمسكت الماء ولم تنبت به شيئًا فنفع الله بها الناس ولم تنتفع هي به، وهذا كعالم لم يعمل بعلمه وعلّم غيره. و"عدم رفع رأسه بالعلم كناية عن عدم الإنتفاع به لعدم العمل"، وشبه (- صلى الله عليه وسلم -) من لم يقبل هدى الله الذي أرسل به بالقيعان التي لا تمسك ماءًا ولا تنبت كلأً، ومثل هذه الطائفة كمن لم يتعلم ولم يعلم أحدًا، وإن عدم قبول الهدى مستلزم لعدم النفع بالعلم لا في نفسه ولا في غيره [1] .

وإستعمال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الغيث بدلًا من المطر لما في هذه الكلمة من مدلولات النفع ومعاني الفائدة أكثر من كلمة المطر، ولهذا لا نرى في القرآن الكريم كلمة الغيث إلا وفيها الرحمة والنفع للعباد، في حين إنّ لفظة المطر ما جاءت إلا لتعبر عن العذاب [2] .

وكقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لا يقولن أحدكم خبُثت نفسي، ولكن ليقل لَقست نفسي ) ) [3] ، ينهانا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) عن قول: (خُبثت نفسي) لأن الخبث في الكلام هو في الفحش والشتم، كما قال إبن الأعرابي:"أصل الخبث في كلام العرب المكروه، وإن كان من الكلام وهو الشتم وإن كان من الملل وهو الكفر وإن كان من الطعام فهو الحرام وإن كان من الشراب فهو الضار، ومنه قيل لما يرمى من منفي الحديد: الخَبث ومنه الحديث أن الحمى تنفي الذنوب كما ينفي الكير الخبث" [4] . والخبث من الحديد مالا خير فيه.

(1) ينظر: دليل الفالحين 3/ 214، نزهة المتقين 1/ 150.

(2) ينظر: من وحي القرآن، د. إبراهيم السامرائي / 125، 126.

(3) ر 1739/ 509.

(4) لسان العرب 1/ 782.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت