في غزوة الخندق إذ أرسل عليهم ريحا شديدة كما قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( نصرت بريح الصبا ) ) [1] ، وهي ريح باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف الله في قلوبهم الرعب (وكفى الله المؤمنين القتال) [2] .
ومنه قوله (- صلى الله عليه وسلم -) (( ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه ) ) [3] .
هذا الحديث الشريف فيه تنبؤ لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من أن الله سبحانه سيفتح على المسلمين كثيرا من بلاد الكفر وأنه سيقيهم شر القتال والحرب لإنتصارهم على معظم الأعداء، وقد حقق الله (- عز وجل -) ما قاله الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) حتى امتدت بلاد الإسلام أواسط فرنسا غربا إلى حدود الصين شرقا، وإن الصين كانت تؤدى الجزية للمسلمين، وإلى أن خاطب هارون الرشيد الخليفة العباسي السحابة بقوله: (أمطري أنّى شئت فإن خراجك يرجع إليّ) [4] ، لأن الأرض دانت للإسلام وارتفعت رايته خفاقة في ربوع العالمين، ومع هذا كله فإن الرسول الكريم (- صلى الله عليه وسلم -) يحث المسلمين على التمرن والتدريب ولو في غير وقت الحاجة إليه ودعاهم إلى ألإعداد والإستعداد في أوقات الحرب والسلم تحسبا لكل طارئ وتهيؤًا للمنازلة في كل حين حتى لا يطمع فيهم طامع ولا يبغي عليهم باغ، إنطلاقا من الآية الكريمة: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [5] .
ب ـ التعجب بـ (حسب) :
ومثل كفى ما هو في معناها نحو [6] :"حسبك بزيد رجلا". وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: محسبنا أي كافينا [7] ، ولها معنيان [8] :
(1) ينظر: صحيح البخاري 2/ 41.
(2) ينظر: فقه السيرة / 327.
(3) ر 1333/ 399.
(4) ينظر: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والإجتماعي، لحسن ابراهيم حسن 2/ 62.
(5) سورة الأنفال، الآية: 60.
(6) معاني النحو 4/ 666.
(7) الجدول في إعراب القرآن 4/ 378؛ إعراب القرآن الكريم وبيانه 2/ ... .
(8) معجم الشامل، محمد سعيد اسبير، وبلال جنيدي /450.