فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 222

زارت النبي (- صلى الله عليه وسلم -) حينما كان معتكفا في جزء من الليل ويومئ إلى ذلك تنكير كلمة الليل، ولما أرادت الرجوع أقبل رجلان من الأنصار وقد أسرعا في مشيهما، فقال لهما النبي (- صلى الله عليه وسلم -) : على رسلكما، أي على مهلكما فلا تسرعا إن من معي هي أم المؤمنين صفية بنت حيي قطعا لدابر الشيطان وحسما للمادة وتعليما لما بعده، فليس هنا ما تكرهانه، فقالا: سبحان الله وهل يظن بك إلاّ خيرا، والرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لم ينسبهما إلى أنهما يظنان به سوءًا كما تقرر عنده من قوة إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس الشيطان لهما لأنهما غير معصومين، فقد يمضي الشيطان لهما ذلك إلى الهلاك. سئل الإمام الشافعي عن فقه هذا الحديث فقال:"إن كان القوم أتهموا النبي (- صلى الله عليه وسلم -) كانوا بتهمتهم كفارا، ولكن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أدّب من بعده، فقال إذا كنتم هكذا فأفعلوا هكذا حتى لا يظن بكم ظن السوء، لأنه (- صلى الله عليه وسلم -) لا يتهم وهو أمين الله في أرضه" [1] . استعمل الصحابيان من الأنصار كلمة (سبحان الله! ) تعجبا مما قال لهما رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من أنها صفية، فكأنما ظنّا أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يشك بهما من إتهامهما له، وإنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنّا به التهمة فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يهلكا بقذف الشيطان في نفوسهما ما يهلكان به.

شبّه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في الحديث وسوسة الشيطان بجريان الدم في جسم الإنسان فحذف المشبه وأبقى المشبه به على سبيل الإستعارة التمثيلية، والشاهد في الحديث أن الرجلين من الأنصار (- رضي الله عنه -) أتيا بلفظة سبحان الله للتعجب مما سمعاه من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فهو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره، نسبح الله) وهو مضاف ولفظ الجلالة (الله) مضاف إليه مجرور.

د ـ التعجب بـ (( قاتلك الله ) ):

لفظة (قاتل) تعني اللعنة، تقول: قاتل الله فلانا، أي: لعنه [2] ، واللعنة بمعنى الطرد من"رحمة الله، فالذي يقاتله الله (- جل جلاله -) يطرده من رحمته ويهلكه بعذابه وهو أيضا أسلوب من أساليب التعجب من قول أو فعل كقوله تعالى: {قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [3] . أي لعنهم الله وقيل [4] هي دعاء على من اتخذ عزيرًا ابنًا لله بالهلاك، فإن من قاتل الله تعالى فمقتول ومن غالبه فمغلوب. والمراد من هذه الكلمة (قاتلهم) التعجب من شناعة قولهم، فقد شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل للمدح، فيقال: قاتله الله تعالى ما أفصحه، ويمكن أن تكون للدعاء والتعجب يفهم من السياق لأنها كلمة لا تقال إلاّ في موضع التعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم [5] وجملة (قاتلهم الله) دعاء مستعمل في التعجيب وهو مركب يستعمل في التعجب من عمل شنيع، والمفاعلة فيه للمبالغة في الدعاء أي قتلهم الله قتلا شديدًا وجملة التعجيب مستأنفة كشأن التعجب وجملة {أَنَّى يُؤْفَكُونَ} مستأنفة والإستفهام فيها مستعمل في التعجيب من حالهم في الإتباع الباطل" [6] .

وكقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لا تؤذي إمرأة زوجها في الدنيا إلاّ قالت زوجه من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا ) ) [7] .

نهى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) المرأة المسلمة من إيذاء زوجها بأي نوع من أنواع الأذى سواء في عدم طاعة زوجها قولًا أو فعلًا أو مما له حقوق عليها مادية أو معنوية فإن أذيتها له تكون سببا في الدعاء عليها من زوجته التي تنتظره في الآخرة وهي من الحور العين، أي: من نساء أهل الجنة التي أنشأهن الله إنشاءًا وهي المرأة الشديدة البياض العين الشديدة سوادها مع سعتها في حسن وجمال.

في الحديث دليل على إيصال أخبار أهل الدنيا إلى الأقرباء الموتى من المسلمين، وممن يشاء، ولذلك نرى الزوجة من الحور العين تنهى على لسان رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) كل امرأة بأن لا تؤذي زوجها وإن آذت دعت عليها بقولها (قاتلك الله) أي اللهم ألعنها وأطردها من رحمتك، وفي قولها دخيل أي: ضيف ونزيل والضيف يجب أن يكرم والدخيل يجب أن يعان (( لأنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) ) [8] ، وعبّرت بذلك لأن المقام في الدنيا وإن طال فإنه قصير لو قورن بالحياة الأبدية. وإن البقاء فيها قليل لقصر مدة بقاء الضيف عند المضيف.

استعمل الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) عبارة (قاتلك الله) وهي دعاء بالإهلاك والإستئصال، ولكنها غلب استعمالها في التعجب أو التعجيب من سوء الحال وهذا مجاز مرسل للملازمة بين بلوغ الحال في السوء بين الدعاء على صاحبه بالهلاك إذ لا نفع له ولا للناس في بقائه ثم الملازمة بين الدعاء بالهلاك وبين التعجب من سوء الحال فهي ملازمة بمرتبتين كناية رمزية [9] .

(1) دليل الفالحين 8/ 319.

(2) المعجم الوسيط 2/ 721.

(3) سورة المنافقون، الآية: 4.

(4) روح المعاني 5/ 83.

(5) ينظر: روح المعاني 5/ 83.

(6) التحرير والتنوير 10/ 169.

(7) ر 287/ 127.

(8) ر 308/ 133.

(9) ينظر: التحرير والتنوير 28/ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت