فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 4919

3 -حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ [1] ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ [2] وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ_ وَهُوَ التَّعَبُّدُ_ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» قَالَ: «فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ [3] ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ} [العلق: 1 - 3] » فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ [4] .

فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قد تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ [5] ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ [6] مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ [7] مِنَ ابْنِ أَخِيكَ،

ص 5

فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ [8] الَّذِي أنَزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا يا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا [9] . ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ [10] وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ. [خ¦3]

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ_ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ _ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ [11] بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر 1 - 5] فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ [12] تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ إِلَى آخِرِهِ. [خ¦4]

ص 6

[1] في هامش الأصل: قوله: «مثل فلق الصبح» : مثل نصب على الحال؛ أي: مشبهه، وفلق الصبح وفرقه بالتحريك: ضياؤه، الخلاء: بفتح أوله والمد، الخلوة.

[2] في هامش الأصل: وإنما حبب إليه الخلوة لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر والبشر لا ينتقل عن سجيته إلا بالرياضة، فلطف الله به في بدء أمره فحبب إليه الخلوة وقطعه عن مخالطة البشر ليجد الوحي منه متمكنًا كما قيل: فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا. الغار: النقب في الجبل، حراء _ بكسر الحاء وتخفيف الراء _ وهو جبل على ثلاثة أميال من مكة. يتحنث _ بمثلثة آخره _ ومعناه: إلقاؤه الحنث عن نفسه ليس بمعنى تكسب الحنث وتلبس به.

[3] في هامش الأصل: قوله: «حتى بلغ مني الجَهد» : وبفتح الجيم وقال بعضهم: بضمها، والفتح: الغاية والمشقة، ومن قال بالضم فإما أن يكون لغتين، أو يكون وسع الملك وطاقته من غطه، ويكون منصوبًا على هذا التأويل مفعولًا وعلى التأويل الآخر يكون مرفوعًا فاعلًا.

[4] في هامش الأصل: أول بداية أمر نبينا في الوحي بالرؤيا أول ما نزل عليه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، وأول ما خلق الله القلم، وأول من خط بالقلم وخاط الثياب إدريس، وأول من اختتن وأضاف الضيف إبراهيم.

[5] في هامش الأصل: قوله: «العبراني» : كذا هنا، ورواه مسلم: «الكتاب العربي» ، وكذا رواه البخاري في الرؤيا، وهو أصح لاتفاقهما عليه.

[6] في هامش الأصل: قوله: «العبرانية» : كذا وقع هنا وصوابه: «بالعربية» ، وهو وجه الكلام، وكذا ذكره مسلم.

[7] في هامش الأصل: قوله: «يا ابن عم» : وهذا أصح من رواية مسلم: «أي عم» فإنه ابن عمها لا عمها، إلا أن تكون قالته توقيرًا. اسمع: بهمزة وصل.

[8] في هامش الأصل: والناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر.

[9] في هامش الأصل: قوله: «مؤزرًا» : بهمز وتسهل؛ أي: بالغًا قويًا من الأزر وهي الشدة والقوة.

[10] في هامش الأصل: ينشب؛ أي: يلبث. فترة الوحي؛ أي: احتباسه بعد تتابعه بالنزول وكانت سنتين ونصفًا.

[11] في هامش الأصل: معرفة الكرسي والعرش والملك: اعلم أن الكرسي خمسة قوائم: قائمة نازلة بين السماء والأرض عليها ملك قاعد يدعو الخلائق إلى سر العرض والقيام بمواجب النفل والفرض، وهذه القائمة السموات والأرضين وما بينهما ولها أربع قوائم منصوبات تحت لوح العرش وحول اللوح ألواح فيها علم العرش، وحول الألواح ملائكة حافون من حول العرش، حاملون سر الحياة والإيصال قائلون حسن المقال، وفوق الكرسي على طرف الهواء العرش، وله أربع قوائم منصوبات نحو خط الاستواء من ... بالآيات مبنية بعالم من الكلمات معرفة بصف من صفوف الكمالات على كل قائمة ركن على كل ركن ملك يأوي إليه وللعرش أيضًا قائمتان في طرف الخفاء كما له أربعة، والكرسي نازل في سر

الاسم والعرش نازل في سر كلم الله، واعلم أن العرش فوق السموات السبع، قال الزمخشري في قوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ} الآية [غافر: 7] ، وروي أن حملة العرش أرجلهم في تخوم الأرض السفلى، ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وأصل العرش، والعريش المكان المرتفع فيطلق على السرير ومنه قوله تعالى: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} ، وقوله: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} وعلى السقف، ومنه قوله: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الحج: 45] وعلى العريش الذي يوضع موضع انحصار الكرم.

[12] في هامش الأصل: قوله: «الوحي وتتابع» : كلاهما بمعنى أي: كثر نزوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت