ولكن كتابة سِيَر القادة العرب والمسلمين، تشمل سِيَرهم قادةً وسيرهم بشرًا، ولا ينبغي الاقتصار على سيرهم قادة، وإبراز سماتهم العسكرية، والسكوت عن أية سمة لأي قائد إنسانًا، فذلك وحده يكمل الصورة لتاريخ القادة العسكرية وغير العسكرية.
وقد كان عمل القادة في الغالب، لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يشمل القضايا الإدارية، لأنهم كانوا ولاة يمارسون الإدارة، وقادة يمارسون القيادة، وتاريخهم الإداري لا يقل أهمية عن تاريخهم العسكري، وتاريخهم الرسمي قادة وإداريين جزء من تاريخهم الكامل، فينبغي تدارس تاريخهم بشرًا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويعملون عمل سائر البشر، زواجًا وإنجابًا، ولهم سماتهم البشرية مزايا ومآخذ، ليكون تاريخهم كاملًا جهد الإمكان، بحيث يستطيع الذي يدرس تاريخهم أن يتصور أي نوع من البشر كانوا في حياتهم بالإضافة إلى تصوُّرِهم أيِّ نوع من القادة والولاة.
والمصادر غير التاريخية التي تفيد في كتابة تاريخ القادة تكاد لا تُعدُّ ولا تحصى، ولكن ليس من السهل كتابة تاريخهم لأنه لا تتيسر دراسات خاصة مستقلة لكل قائد، بعكس المفسرين والمحدثين والمؤرخين والفقهاء والأدباء والشعراء والنحاة واللغويين والصوفية والأطباء والفلاسفة وأصحاب الملل والنحل ومختلف العلماء العرب والمسلمين في مختلف العلوم، فلكل واحد من هؤلاء الأعلام دراسة خاصة مستقلة.
أما القادة العرب والمسلمون، فينبغي للذين يحبون أن يكتبوا تاريخهم، أن يجمعوا شتات ما جاء عن كل واحد منهم من مختلف المصادر التاريخية والأدبية والعلمية، ومصادر التفسير والحديث والأنساب والفروسية والمعجمات وغيرها، ليبنوا سيرتهم من جديد لأول مرة في التاريخ لَبِنَةً لبنة بجهد جهيد ودأب متواصل وعمل شاق وصبر جميل.