في تلك الغيضة، فيصفر صفيرا متداركا، فعند ذلك تصير الطير أفواجا فينحط كل فوج منها على ضيعة من ضياع الرستاق، فيأخذ في لقط القمل حتى تمتلى ء منها حواصلها، فيعدل عند ذلك إلى الماء فتبرد به ثم تخرج من الماء وتذرق ما في حواصلها، وتعاود اللقط إلى المساء ثم تعود إلى أشجار الغيضة ويصبح لقط القمل، فما زال ذلك دأبها في اللقط ودأب ذلك الطائر في الصفير حتى أتت على قمل الرستاق ثم فارقت الغيضة ذات صباح، فلم تر إلى الآن.
وفي سنة أربع وأربعين وثلثماية في إبتداء المحرم حدثت علة متركبة من الدم والصفراء، فشملت الناس حتى طافت في دور المدينتين على الرجال والنساء والأطفال، فكان مكثها ما بين يومين إلى سبعة أو عشرة أيام، وربما عمّ في دار سكانها فوق عشرين حتى يأتي على عامة من فيها. وكان أحسن الناس حالا معها من تلقاها بالفصد وكان طرأ هذه العلة على أصبهان من الأهواز، فطارت على الأهواز من بغداد وإنحدرت من بغداد إلى واسط ثم منها إلى البصرة، وإقترن بها هناك وباء حتى كان يدفن بها كل يوم ما بين ألف إلى ألف ومايتي جيفة. وإنحدرت من البصرة إلى الأهواز فتشعبت شعبتين: شعبة أخذت ذات اليمن نحو أرجان فتعددت إلى سائر كور فارس، وشعبة أخذت ذات اليسار إلى أصبهان فكانت عاقبتها سليمة.
وفي هذه السنة التي هي أربع وأربعين لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر ماه مرداد روز آذر بعد الزوال بدأت مطرة برعد وبرق سال لها الميازيب والشمس صرع ذلك منبسطة على وجه الأرض لا غيم في وجهها؛ فلما قرب المساء تراكم الغيم وعاد المطر بعد أن كان خفّ وما زال يشتد حتى صار وابلا وإنضاف إليه رعد وبرق هائلان، فدام عامة الليل. وسمع في الثلث الأول من الليل هدّة من الجو هائلة،