فهرس الكتاب
عَنْهَا كأنك بها عالم وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية، وهذا القول أرجح في المقام من الأول، والله أعلم، ولهذا قال {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} . ولهذا لما جاء جبريل عليه السلام في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس السائل المسترشد، وسأله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال: فمتى الساعة ؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"أي لست أعلم بها منك ولا أحد بها من أحد، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} الآية.
وفي رواية فسأله عن أشراط الساعة، فبين له أشراط الساعة، ثم قال:"في خمس لا يعلمهن إلا الله"وقرأ هذه الآية، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب: صدقت، ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"وفي رواية قال:"وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا صورته هذه"وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري فقال: يا محمد، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم"هاؤم"على نحو من صوته، قال: يا محمد متى الساعة ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويحك أن الساعة آتية فما أعددت لها"قال ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، ولكنني أحب الله ورسوله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المرء مع من أحب"فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث، وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"المرء مع من أحب"وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين، ففيه أنه عليه السلام كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله وإن لم يعرفوا تعيين وقته. ولهذا قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة: متى الساعة ؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول:"إن يعش هذا لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم"يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة. ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة"انفرد به مسلم.
وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا سعيد بن أبي هلال المصري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: متى الساعة ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزدشنوءة فقال:"إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة"قال أنس: ذلك الغلام من أترابي، وقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس قال: مر غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أترابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة"ورواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه عن عمرو بن عاصم عن همام بن يحيى عن قتادة عن أنس، أن رجلًا من أهل البادية قال: يا رسول الله متى الساعة ؟ فذكر الحديث، وفي آخره: فمر غلام للمغيرة بن شعبة وذكره، وهذا الإطلاق في هذه الرويات محمول على التقييد بساعتكم في حديث عائشة رضي الله عنها.
وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر:"تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة". رواه مسلم. وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله، قال ابن عمر: وإنما