على الناس من غير أن تنسى منه شيئًا {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} وقال في هذه الآية {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} أي بل أنصت, فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده {وَقُل رّبّ زِدْنِي عِلْمًا} أي زدني منك علمًا, قال ابن عيينة رحمه الله ولم يزل صلى الله عليه وسلم في زيادة حتى توفاه الله عز وجل, ولهذا جاء في الحديث"إن الله تابع الوحي على رسوله, حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم"وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن ثابت, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"اللهم انفعني بما علمتني, وعلمني ما ينفعني, وزدني علمًا, والحمد الله على كل حال". وأخرجه الترمذي عن أبي كريب, عن عبد الله بن نميربه. وقال: غريب من هذا الوجه, ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس, عن أبي عاصم, عن موسى بن عبيدة به, وزاد في آخره"وأعوذ بالله من حال أهل النار".
{وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىَ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم فَسَجَدُوَاْ إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَىَ فَقُلْنَا يَآدَمُ إِنّ هَذَا عَدُوّ لّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنّكُمَا مِنَ الْجَنّةِ فَتَشْقَىَ إِنّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىَ وَأَنّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىَ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشّيْطَانُ قَالَ يَآدَمُ هَلْ أَدُلّكَ عَلَىَ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاّ يَبْلَىَ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنّةِ وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبّهُ فَغَوَىَ ثُمّ اجْتَبَاهُ رَبّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىَ}
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أسباط بن محمد, حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي, وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه. وقال مجاهد والحسن: ترك. وقوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدم} يذكر تعالى تشريف آدم, وتكريمه وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلًا, وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وفي الحجر والكهف, وسيأتي في آخر سورة {ص} يذكر تعالى فيها خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا, ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا, ولهذا قال تعالى: {فَسَجَدُوَاْ إِلاّ إِبْلِيسَ} أي امتنع واستكبر {فَقُلْنَا يَآدَمُ إِنّ هَذَا عَدُوّ لّكَ وَلِزَوْجِكَ} يعني حواء عليهما السلام {فَلاَ يُخْرِجَنّكُمَا مِن الْجَنّةِ فَتَشْقَىَ} أي إياك أن تسعى في إخراجك منها فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك, فإنك ههنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة {إِنّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىَ } إنما قرن بين الجوع والعري, لأن الجوع ذل الباطن, والعري ذل الظاهر, {وَأَنّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىَ} وهذان أيضًا متقابلان, فالظمأ حر الباطن وهو العطش, والضحى حر الظاهر.
وقوله: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشّيْطَانُ قَالَ يَآدَمُ هَلْ أَدُلّكَ عَلَىَ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاّ يَبْلَىَ} قد تقدم أنه دلاهما بغرور {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة, فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها وكانت شجرة الخلد, يعني التي من أكل منها خلد ودام مكثه, وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد, فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحاك, سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي