فهرس الكتاب

الصفحة 1720 من 2760

وتعالى: اكتب, فقال القلم: وما أكتب ؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم الساعة, فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة, فذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السّمَآءِ وَالأرْضِ} وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها, وقدرها وكتبها أيضًا, فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك على الوجه الذي يفعلونه, فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره, وهذا يعصي باختياره, وكتب ذلك عنده وأحاط بكل شيء علمًا, وهو سهل عليه يسير لديه, ولهذا قال تعالى: {إِنّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ} .

{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذَلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللّهُ الّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

يقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا وعبدوا من دون الله ما لم ينزل به سلطانًا, يعني حجة وبرهانًا, كقوله: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ولهذا قال ههنا: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي ولا علم لهم فيما اختلقوه وائتفكوه, وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا حجة, وأصله مما سول لهم الشيطان وزينه لهم, ولهذا توعدهم تعالى بقوله: {وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ} أي من ناصر ينصرهم من الله فيما يحل بهم من العذاب والنكال, ثم قال: {وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ} أي وإذا ذكرت لهم آيات القرآن والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله, وأنه لا إله إلا هو, وأن رسله الكرام حق وصدق {يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} أي يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة من القرآن, ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء {قُلْ} أي يا محمد لهؤلاء {أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذَلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللّهُ الّذِينَ كَفَرُواْ} أي النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا, وعذاب الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم إن نلتم بزعمكم وإرادتكم وقوله: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أي وبئس النار مقيلًا ومنزلًا ومرجعًا وموئلًا ومقامًا {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} .

{يَأَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئًا لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ}

يقول تعالى منبهًا على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها {يَأَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ} أي لما يعبده الجاهلون بالله المشركون به {فَاسْتَمِعُواْ لَهُ} أي أنصتوا وتفهموا {إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ} أي لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد على أن يقدروا على خلق ذباب واحد ما قدروا على ذلك. كما قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر, حدثنا شريك عن عمارة بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت