القعقاع, عن أبي زرعة, عن أبي هريرة مرفوعًا قال:"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي, فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة". وأخرجه صاحبا الصحيح من طريق عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي, قل يخلقوا ذرة, فليخلقوا شعيرة", ثم قال تعالى أيضًا: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئًا لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} أي هم عاجزون عن خلق ذباب واحد, بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والإنتصار منه لو سلبها شيئًا من الذي عليها من الطيب, ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك, هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها, ولهذا قال: {ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} قال ابن عباس: الطالب الصنم, والمطلوب الذباب, واختاره ابن جرير, وهو ظاهر السياق. وقال السدي وغيره: الطالب العابد, والمطلوب الصنم, ثم قال: {مَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ} أي ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها {إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ} أي هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} . وقوله: {عَزِيزٌ} أي قد عز كل شيء فقهره وغلبه, فلا يمانع ولا يغالب لعظمته وسلطانه, وهو الواحد القهار.
{ اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمور}
يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا فيما يشاء من شرعه وقدره ومن الناس لإبلاغ رسالته {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} أي سميع لأقوال عباده, بصير بهم, عليم بمن يستحق ذلك منهم, كما قال: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} , وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} أي يعلم ما يفعل رسله فيما أرسلهم به, فلا يخفى عليه شيء من أمورهم, كما قال: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إلى قوله - وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} فهو سبحانه رقيب عليهم, شهيد على ما يقال لهم, حافظ لهم, ناصر لجنابهم {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} الآية.
{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىَ وَنِعْمَ النّصِيرُ}
اختلف الأئمة رحمهم الله في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها, أم لا ؟ على قولين, وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم:"فضلت سورة الحج بسجدتين, فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما". وقوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ} أي بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم, كما قال تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} . وقوله: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} أي يا هذه الأمة الله اصطفاكم واختاركم على سائر الأمم, وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ}