أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجًا ومخرجًا, فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعًا, وفي السفر تقصر إلى اثنتين, وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة, كما ورد به الحديث, وتصلى رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها, وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها, والقيام فيها يسقط لعذر المرض, فيصليها المريض جالسًا, فإن لم يستطع فعلى جنبه, إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات, ولهذا قال عليه السلام:"بعثت بالحنيفية السمحة"وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن"بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا", والأحاديث في هذا كثيرة, ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} يعني من ضيق.
وقوله: {مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} قال ابن جرير: نصب على تقدير {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ} أي من ضيق بل وسعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم, قال: ويحتمل أنه منصوب على تقدير الزموا ملة أبيكم إبراهيم. {قلت} وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} الآية, وقوله: {هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} وفي هذا قال الإمام عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} قال: الله عز وجل, وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} يعني إبراهيم, وذلك قوله: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} قال ابن جرير: وهذا لا وجه له, لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين, وقد قال الله تعالى: {هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا} قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر, {وَفِي هَذَا} يعني القرآن, وكذا قال غيره.
(قلت) وهذا هو الصواب, لأنه تعالى قال: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه, بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل, ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان, فقال: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} أي من قبل هذا القرآن {وَفِي هَذَا} روى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار, حدثنا محمد بن شعيب, أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن أبي سلام أنه أخبره, قال: أخبرني الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم"قال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن صام وصلى ؟ قال:"نعم وإن صام وصلى"فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله, وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} من سورة البقرة, ولهذا قال {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} أي إنما جعلناكم هكذا أمة وسطًا عدولا خيارًا مشهودًا بعدالتكم عند جميع الأمم, لتكونوا يوم القيامة {شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} لأن جميع الأمم معترفة يومئذ بسيادتها وفضلها على كل أمة سواها, فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم, والرسول يشهد على هذه الأمة أنه بلغها ذلك, وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته.
وقوله {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} أي قابلوا هذه النعمة العظيمة