والسدي: يعني نور النار ونور الزيت, وقال أبيّ بن كعب {نُورٌ عَلَى نُورٍ} فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور, وعمله نور, ومدخله نور, ومخرجه نور, ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله تعالى: {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} قال: يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي, كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء. وقال السدي في قوله تعالى {نُورٌ عَلَى نُورٍ} قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا, فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه.
وقوله تعالى: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي يرشد الله إلى هدايته من يختاره, كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو, حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري, حدثنا الأوزاعي, حدثني ربيعة بن زيد عن عبد الله الديلمي عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ, فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأ ضل فلذلك أقول: جف القلم على علم الله عز وجل".
(طريق أخرى عنه) قال البزار: حدثنا أيوب عن سويد عن يحيى بن أبي عمرو السيباني, عن أبيه, عن عبد الله بن عمرو, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل"ورواه البزار عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه. وقوله تعالى: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لما ذكر تعالى هذا مثلًا لنور هداه في قلب المؤمن ختم الآية بقوله {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر, حدثنا أبو معاوية حدثنا شيبان عن ليث عن عمرو بن مرة, عن أبي البحتري, عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر, وقلب أغلف مربوط على غلافه, وقلب منكوس, وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نوره, وأما القلب الأغلف فقلب الكافر, وأما القلب المنكوس فقلب المنافق, عرف ثم أنكر, وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق, ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب,ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح, فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه"إسناده جيد ولم يخرجوه.
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ والآصال رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}
لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل, ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد فقال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} أي أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها, وكذا قال