الْأَرْضَ شَقًّا *فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا* وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا *وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ
يقول تعالى ذاما لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم { قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ } قال الضحاك عن بن عباس { قُتِلَ الْإِنسَانُ } لعن الإنسان وكذا قال أبو مالك وهذا لجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه بلا مستند بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم قال بن جريج { مَا أَكْفَرَهُ } أي ما أشد كفره وقال بن جرير ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرا أي ما حمله على التكذيب بالمعاد وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي وقال قتادة { مَا أَكْفَرَهُ } ما ألعنه ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى { مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } أي قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } قال العوفي عن بن عباس ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه وكذا قال عكرمة والضحاك وأبو صالح وقتادة والسدي واختاره بن جرير وقال مجاهد هذه كقوله تعالى { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } أي بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه عمله وكذا قال الحسن وبن زيد وهذا هو الأرجح والله أعلم وقوله تعالى { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } أي أنه بعد خلقه له أماته فأقبره أي جعله ذا قبر والعرب تقول قبرت الرجل إذا ولى ذلك منه وأقبره الله وعضبت قرن الثور وأعضبه الله وبترت ذنب البعير وأبتره الله وطردت عني فلانا وأطرده الله أي جعله طريدا قال الأعشى:
لو أسندت ميتا إلى صدرها
عاش ولم ينقل إلى قابر
وقوله تعالى { ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ } أي بعثه بعد موته ومنه يقال البعث والنشور { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُون } { وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } وقال بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أصبغ بن الفرج أخبرنا بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح أخبره عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه"قيل وما هو يا رسول الله قال:"مثل حبة خردل منه ينشأون"وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بدون هذه الزيادة ولفظه:"كل بن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب"
وقوله تعالى { كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } قال بن جرير يقول جل ثناؤه كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله { لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } يقول لم يؤد ما فرض عليه عز وجل من الفرائض لربه عز وجل ثم روى هو وبن أبي حاتم من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد قوله تعالى { كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } قال لا يقضي أحدا أبدا كل ما افترض عليه وحكاه البغوي عن الحسن البصري بنحو من هذا ولم أجد للمتقدمين فيه كلاما سوى هذا والذي يقع لي في معنى ذلك والله أعلم أن المعنى { ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ } أي بعثه { كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } أي لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله أن سيوجد منهم ويخرج إلى الدنيا وقد أمر به تعالى كونا وقدرا فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم وقد روى بن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال قال عزير عليه السلام قال الملك الذي جاءني فإن القبور هي بطن الأرض وإن الأرض هي أم الخلق فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق وتمت هذه القبور التي مد الله لها انقطعت الدنيا ومات من عليها ولفظت الأرض ما في جوفها وأخرجت القبور ما فيها وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية والله سبحانه