"الهداية"الإجماع قبل الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حاكم بجواز بيعه، لم ينفذ لمخالفة الإجماع، وهذا الذي قاله غريب جدًا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: من حرم ذبيحة الناس فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخير الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، يعني ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"المسلم يكفيه اسمه أن نسي أن يسمي حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله"وهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، روياه: عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، من قوله فزادا في إسناده أبا الشعثاء ووقفاه، وهذا أصح، نص عليه البيهقي وغيره من الحفاظ، ثم نقل ابن جرير وغيره عن الشعبي، ومحمد بن سيرين، أنهما كرها متروك التسمية نسيانا، والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا، والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور، فيعده إجماعًا، فليعلم هذا، والله الموفق.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهِير بن يزيد، قال: سئل الحسن، سأله رجل: أتيت بطير كذا، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه، واختلط الطير، فقال الحسن كله كله، قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ذر، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"وفيه نظر، والله أعلم، وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"اسم الله على كل مسلم"ولكن هذا إسناده ضعيف، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة، والله أعلم. وقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم.
قال ابن جرير: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية: هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء، وهي محكمة فيما عنيت به، وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم، وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال الله {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ} وقال {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} فنسخ واستثنى من ذلك، فقال {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} وقال ابن أبي حاتم: قرى على العباس بن الوليد بن يزيد، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان، يعني ابن المنذر، عن مكحول، قال: أنزل الله في القرآن {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب. ثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض، بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه، وهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله سبحانه وتعالى أعلم.