وقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سُئِلَ الشَّافِعِىُّ عَنِ الْقَدَرِ فَأَنْشَأَ يَقُولُ مَا شِئْتُ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ فَفِى الْعِلْمِ يَجْرِى الْفَتَى وَالْمُسِنْ عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ وَمِنْهُمْ حَسَنْ.
وقَالَ الْبُوَيْطِىُّ: مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يَخْلُقُ الْخَلْقَ بِكُنْ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ (كُنْ) مَخْلُوقٌ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْخَلْقَ بِخَلْقٍ.
وقَالَ الْمُزَنِىُّ: الْقُرْآنُ كَلاَمُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
وعن يُوسُفَ بْنِ مُوسَى الْمَرْورُّوذِىِّ قال: كُنَّا عِنْدَ أَبِى إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِىِّ بِمِصْرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَكُنَّا نَجْتَمِعُ عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ فَنُلْقِى الْمَسْأَلَةَ فِيمَا بَيْنَنَا وَيَقُومُ لِلصَّلاَةِ فَإِذَا سَلَّمَ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَيَقُولُ أَرَأَيْتُمْ لَوْ قِيلَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا بِمَاذَا تُجِيبُونَهُمْ وَيَعُودُ إِلَى صَلاَتِهِ فَقُمْنَا لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى فَتَقَدَّمْتُ أَنَا وَأَصْحَابٌ لَنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَقَدْ نَشَأَ عِنْدَنَا قَوْمٌ يَقُولُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَلَسْنَا مِمَّنْ يَخُوضُ فِى الْكَلاَمِ وَلاَ نَسْتَفْتِيكَ فِى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلاَّ لِدِينِنَا وَلِمَنْ عِنْدَنَا لِنُخْبِرَهُمْ عَنْكَ بِمَا تُجِيبُنَا فِيهِ فَقَالَ الْقُرْآنُ كَلاَمُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّتِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِى هَؤُلاَءِ الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ حُرِمُوا التَّوْفِيقَ وَتَرَكُوا ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِآرَائِهِمْ الْمُزَخْرَفَةِ وَتَأْوِيلاَتِهِمُ الْمُسْتَنْكَرَةِ.
وعن زَاهِرَ بْنِ أَحْمَدَ السَّرْخَسِىِّ قال: لَمَّا قَرُبَ حُضُورُ أَجَلِ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِى دَارِى بِبَغْدَادَ دَعَانِى فَقَالَ: اشْهَدْ عَلَىْ أَنِّى لاَ أُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقِبْلَةِ لأَنَّ الْكَلَّ يُشِيرُونَ إِلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا هَذَا اخْتِلاَفُ الْعِبَارَاتِ.
{ق} قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا زَعَمَ أَنَّ هَذَا أَيْضًا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَلاَ تَرَاهُ قَالَ فِى كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِى ذَهَبَ النَّاسُ مَنْ تَأَوَّلَ الْقُرْآنَ وَالأَحَادِيثَ وَالْقِيَاسَ أَوْ مَنْ ذَهَبَ مِنْهُمْ إِلَى أُمُورٍ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَتَبَايَنُوا فِيهَا تَبَايُنًا شَدِيدًا وَاسْتَحَلَّ فِيهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ بَعْضَ مَا تَطُولُ حِكَايَتُهُ وَكُلُّ ذَلِكَ مُتَقَادِمٌ مِنْهُ مَا كَانَ فِى عَهْدِ السَّلَفِ