أ) قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل:89) ، إذ معنى ذلك أن الأحكام كلها مستفادة من الكتاب موجودة فيه، فلا حاجة إلى غيره، والقياس إنما هو إثبات لأحكام لم توجد في الكتاب، فكان غير محتاج إليه لذلك.
ولكن يجاب على هذا بأن القرآن الكريم تبيان لكل شيء أي بمعناه ولفظه لا بلفظه فقط، لأن التبيان يتعلق بكليهما، والثابت بالقياس داخل في معنى النص من الأصل، إذ القياس مظهر للحكم لا منشئ له من جديد، فيكون القياس على ذلك دالًا على حكم المقيس بطريق التبيان، وعلى ذلك يكون حكم الله تعالى في المقيس عليه موجودًا في الكتاب لفظًا، وحكمه تعالى في المقيس موجود معنى، وفي ذلك تعظيم لكتاب الله وعمل به لفظًا ومعنى، وهو لاشك أولى من العمل باللفظ وإهمال المعنى كما يفعل أهل الظاهر ومن والاهم، وبذلك يسقط دليلهم من أصله، وينقلب النص على هذا التوجيه عليهم لا لهم.
ب) تشنيعه - صلى الله عليه وسلم - على بني إسرائيل لقياسهم ما لم يكن على ما كان، وقد تقدم هذا الدليل في معرض تعليل دليل الجمهور، وبينا الرد الكافي عليه.
ج) لا حاجة إلى القياس أصلا، ولكن إن كان في الكتاب أو السنة الشريفة أو إجماع رجعنا إليه، وإلا تمسكنا بحكم البراءة الأصلية، فإنه ممكن، وقد دعانا إلى التمسك به الله سبحانه وتعالى حيث قال في كتابه العزيز: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام:145) ، فإن الله سبحانه وتعالى اعتبر في هذه الآية أن كل ما لم يذكر له حكم في الشريعة بأنه محرم لا يمكن اعتباره محرمًا، فيبقى على حكم الإباحة والبراءة الأصلية.
ولكن يجاب عن ذلك بأن العمل على إثبات حكم الإباحة فيما لا دليل عليه عمل بلا دليل، والآية الكريمة لا تدل عليه، لأن إباحة الله سبحانه وتعالى ما عدا ما ذكر من