ويسلِّمونه، طلب أن يرجع إلى يزيد أو يرجع إلى وطنه أويذهب إلى الثغر. فمنعوه من ذلك حتى يستأسر. فقاتلوه حتى قتل مظلومًا شهيدًا رضي الله عنه. وأنَّ خبرَ قتلهِ لمَّا بلغ يزيد وأهله ساءهم ذلك وبكوا على قتله. وقال يزيد:"لعن الله ابن مرجانة -يعني عبيد الله بن زياد-، أما والله لو كان بينه و بين الحسين رحِم لما قتله". وقال:"قد كنت أرضى من طاعة أهل العراق بدون قتل الحسين". وأنَّه جهَّز أهله بأحسن الجهاز، وأرسلهم إلى المدينة. لكنَّه مع ذلك ما انتصر للحسين ولا أمر بقتل قاتله ولا أخذ بثأره. وأمَّا ما ذكره من سبي نسائه والذراري، والدوران بهم في البلاد، وحملهم على الجِّمال بغير أقتاب، فهذا كذِبٌ وباطلٌ. ما سبى المسلمون -و للهِ الحمدُ- هاشميةً قط. ولا استحلت أمَّةُ محمَّد صلى الله عليه وسلم سبيَ بني هاشم قط. ولكنَّ أهل الهوى والجهلِ يكذبونَ كثيرًا» [1]
بل ابن زياد نفسه عندما جيء بنساء الحسين إليه وأهله، وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهنَّ بمنزلٍ من مكانٍ معتزلٍ، وأجرى عليهنَّ رزقًا وأمر لهنَّ بنفقةٍ وكِسوة [2]
وقال عزّت دروزة المؤرخ: «ليس هناك ما يبرر نسبة قتل الحسين إلى يزيد. فهو لم يأمر بقتاله، فضلًا عن قتله. وكلّ ما أمر به أن يحاط به ولا يقاتل إلا إذا قاتل» . وقال الحافظ ابن كثير: «والذي يكاد يغلب على الظن أنّ يزيد لو قدِرَ عليه قبل أن يُقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرَّح هو به مخبرًا عن نفسه بذلك» .
أما سبب عدم أخذ يزيد بثأر الحسين رضي الله عنه و عدم قتله لقتلته وإبقائهم على أعمالهم رغم لعنه لهم، فهو نفس السبب الذي دعى عليًا رضي الله عنه لعدم الأخذ بثأر عثمان رضي الله عنه وعدم قتله لقتلته بل ولاَّهم قيادة جيشه رغم لعنه لهم! وهذا السبب هوعدم قدرته على ذلك لحاجته الماسة لهم. فلو أنه قتلهم لثارت عشائرهم عليه ولم يبق بالعراق له من نصير، فتكون الفتنة من جديد ويقتل من المسلمين أضعاف أضعاف عدد القتلة.
(1) - منهاج السنة (4\557) .
(2) - رواه ابن جرير بسند حسن.