.وَقَال الرَّمْلِيُّ: الأَْوْجَهُ وُجُوبُ قِتَالِهِمْ مُطْلَقًا ؛ لأَِنَّ بِبَقَائِهِمْ - وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا ذُكِرَ - تَتَوَلَّدُ مَفَاسِدُ ، قَدْ لاَ تُتَدَارَكُ مَا دَامُوا قَدْ خَرَجُوا عَنْ قَبْضَةِ الإِْمَامِ وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَال [1] .
وَلَوِ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَجَبَ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ ؛ إِذْ يُشْتَرَطُ لِمُقَاتَلَتِهِمْ أَنْ يَتَعَيَّنَ الْقِتَال لِدَفْعِ شَرِّهِمْ ، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل كَانَ أَوْلَى مِنَ الْقِتَال [2] .
كَيْفِيَّةُ قِتَال الْبُغَاةِ:
الأَْصْل أَنَّ قِتَالَهُمْ إِنَّمَا يَكُونُ دَرْءًا لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ ، مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ ؛ لأَِنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ ، وَلِذَا فَإِنَّ قِتَالَهُمْ يَفْتَرِقُ عَنْ قِتَال الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا: أَنْ يَقْصِدَ بِالْقِتَال رَدْعَهُمْ لاَ قَتْلَهُمْ ، وَأَنْ يَكُفَّ عَنْ مُدْبِرِهِمْ ، وَلاَ يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ [3] ، وَلاَ تُقْتَل أَسْرَاهُمْ ، وَلاَ تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ ، وَلاَ تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ ، وَلاَ يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِمُشْرِكٍ ، وَلاَ يُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ ، وَلاَ تُنْصَبُ عَلَيْهِمُ الْعَرَّادَاتُ ( الْمَجَانِيقُ وَنَحْوُهَا ) ، وَلاَ تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ ، وَلاَ يُقْطَعُ شَجَرُهُمْ [4] .
وَإِذَا تَحَيَّزَ الْبُغَاةُ إِلَى جِهَةٍ مُجْتَمَعِينَ ، أَوْ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ شَرِّهِمْ إِلاَّ بِالْقِتَال ، حَل قِتَالُهُمْ حَتَّى يَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ ، وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَمَا تَأَهَّبُوا فَعَل ذَلِكَ ؛ إِذِ الْجِهَادُ مَعَهُمْ وَاجِبٌ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ شَرُّهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ . وَقَدْ قَاتَل عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْل حَرُورَاءَ بِالنَّهْرَوَانِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِهِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ » . قَالَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَقَالَ « لاَ وَلَكِنَّهُ
(1) - نهاية المحتاج 7 / 386 ، والمهذب 2 / 222 .
(2) - حاشية ابن عابدين 3 / 310 ، والمغني 8 / 108 ، 109 .
(3) - وللحنفية تفصيل ، وهذا سيذكر بعد .
(4) - التاج والإكليل 6 / 277 ، وحاشية الدسوقي 4 / 299 ، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير 4 / 429 .