أَسْرَى الْبُغَاةِ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةً خَاصَّةً ؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ شَرِّهِمْ ، فَلاَ يُسْتَبَاحُ دَمُهُمْ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الْقِتَال ، وَلِذَا فَإِنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ اتِّفَاقًا ، لِلتَّعْلِيل السَّابِقِ ؛ وَلِذَا لاَ يُسْتَرَقُّونَ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ أَمْ لاَ اتِّفَاقًا ؛ لأَِنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ ، وَلاَ تُسْبَى لَهُمْ نِسَاءٌ وَلاَ ذُرِّيَّةٌ [1] .
أَمَّا إِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ [2] وَالشَّافِعِيَّةُ [3] وَالْحَنَابِلَةُ [4] إِلَى أَنَّهُمْ لاَ يُقْتَلُونَ أَيْضًا . غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَال: إِنْ أُسِرَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْحَرْبُ لاَ يُقْتَل ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلإِْمَامِ قَتْلُهُ ، إِذَا خَافَ مِنْهُ الضَّرَرَ [5] .
وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِل ، وَقِيل: يُؤَدَّبُ وَلاَ يُقْتَل [6] .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ ؛ لأَِنَّهُ بِالأَْسْرِ صَارَ مَحْقُونَ الدَّمِ ، وَقِيل: فِيهِ قِصَاصٌ . وَقِيل: لاَ قِصَاصَ فِيهِ ؛ لأَِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجِيزُ قَتْلَهُ فَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً [7] . وَإِنْ كَانَ أَسِيرٌ بَالِغًا فَدَخَل فِي الطَّاعَةِ أَطْلَقَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُل فِي الطَّاعَةِ حَبَسَهُ إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْحَرْبُ [8] . وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يُحْبَسْ ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْبَيْعَةِ ،
(1) - تبيين الحقائق 3 / 295 ، والشرح الصغير وبلغة السالك 2 / 415 ، حاشية الجمل 5 / 117 ، 118 ، الفروع 3 / 54 . قال الكمال: ولولا أنه فيه إجماعا لأمكن التمسك ببعض الظواهر في تملكه ، فإن ابن أبي شيبة ( 15 / 264 ) أسند عن أبي البختري لما انهزم أهل الجمل قال علي: لا تطلبوا من كان خارجا من العسكر ، وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم ، وليس لكم أم ولد ، وأ ( الفتح 4 / 413 ) .
(2) - حاشية الدسوقي 4 / 299 .
(3) - المهذب 2 / 119 .
(4) - المغني 8 / 114 ، كشاف القناع 6 / 162ـ163 .
(5) - التاج والإكليل 6 / 278 .
(6) - بداية المجتهد2 / 498 .
(7) - المهذب 2 / 220 .
(8) - المهذب 2 / 220 ، وكشاف القناع 6 / 165 .