أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ ، فَعَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي تَخْيِيرِ الإِْمَامِ بَيْنَ قَتْل أَسْرَى الْبُغَاةِ أَوْ حَبْسِهِمْ ، يَرَوْنَ جَوَازَ قَتْل مَنْ قَاتَل أَوْ حَرَّضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَنَحْوِهِمْ ، فَيُقْتَلُونَ حَال الْقِتَال أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ . لَكِنْ لاَ يُقْتَل الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِتَال ؛ لأَِنَّ الْقَتْل بَعْدَ الْفَرَاغِ وَالأَْسْرَ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ ، وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ . وَأَمَّا قَتْلُهُمَا حَال الْحَرْبِ فَدَفْعًا لِشَرِّهِمْ كَدَفْعِ الصَّائِل [1] .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ قُوتِلُوا مُقْبِلِينَ ، وَتُرِكُوا مُدْبِرِينَ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَْحْرَارِ وَالذُّكُورِ الْبَالِغِينَ ؛ لأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ هَؤُلاَءِ قَتْل إِنْسَانٍ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ .
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبُغَاةَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّتِهِمْ تُرِكُوا ، إِلاَّ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِمْ تَلَفُ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ [2] .
حُضُورُ مَنْ لاَ يُقَاتِل مِنَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِتَال مَعَ الْبُغَاةِ:
إِذَا حَضَرَ مَعَ الْبُغَاةِ مَنْ لاَ يُقَاتِل - بِرَغْمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِتَال - لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْصَدَ بِالْقَتْل ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنْ قِتَالِهِمْ كَفُّهُمْ ، وَهَذَا قَدْ كَفَّ نَفْسَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } (سورة النساء / 93) فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى تَحْرِيمِ قَتْل الْمُؤْمِنِ عَمْدًا عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ ، وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَل ضَرُورَةَ دَفْعِ الْبَاغِي وَالصَّائِل ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ ، فَمَنْ لاَ يُقَاتِل تَوَرُّعًا عَنْهُ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - وَلاَ يُخَافُ مِنْهُ الْقِتَال بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ لاَ يَحْتَاجُ لِدَفْعٍ فَلاَ يَحِل دَمُهُ [3] .
(1) - البدائع 7 / 141 ، 101 ، وابن عابدين 3 / 311 ، والمهذب 2 / 220 ، حاشية الدسوقي4 / 299 ، والتاج والإكليل6 / 278 .
(2) - كشاف القناع 6 / 163 ، والمغني 8 / 110 ، والدسوقي 4 / 99 .
(3) - المغني 8 / 109 - 110 .