وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ قَتْلُهُ ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا نَهَاهُمْ عَنْ قَتْل مُحَمَّدٍ السَّجَّادِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنْ يُقَاتِل ، وَإِنَّمَا كَانَ يَحْمِل رَايَةَ أَبِيهِ ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ وَأَنْشَدَ شِعْرًا ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ قَتْلَهُ ؛ وَلأَِنَّهُ صَارَ رِدْءًا لَهُمْ [1] .
حُكْمُ قِتَال الْمَحَارِمِ مِنَ الْبُغَاةِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ قَتْل الْعَادِل لِذِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ ، وَقَصَرَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ عَلَى الأَْبَوَيْنِ فَقَطْ . بَل مِنْهُمْ مَنْ قَال بِجَوَازِ قَتْل أَبَوَيْهِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي . وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ ، وَهُوَ الأَْصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } (سورة لقمان / 15) وَلِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ عَنْ قَتْل أَبِيهِ . [2] وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ الْحِل ؛ لأَِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ [3] . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ وَأَدِلَّةٌ .
يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلْعَادِل أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ مُبَاشَرَةً ؛ إِذِ اجْتَمَعَ فِيهِ حُرْمَتَانِ: حُرْمَةُ الإِْسْلاَمِ وَحُرْمَةُ الْقَرَابَةِ . وَإِذَا أَرَادَ الْبَاغِي قَتْل الْعَادِل فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالْقَتْل فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ ؛ لأَِنَّ الإِْسْلاَمَ فِي الأَْصْل عَاصِمٌ: فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ . . . [4]
(1) - المهذب2 / 219 - 220 .
(2) - رواه الشافعي ( الأم 4 / 222 ط دار المعرفة ) وأخرجه البيهقي في سننه ( 8 / 186ـ ط دائرة المعارف العثمانية ) وفي إسناده محمد بن عمر الواقدي ، وهو مهتم بالكذب . التهذيب لابن حجر ( 9 / 363 ـ ط دائرة المعارف النظامية ) .
(3) - البدائع 7 / 141 ، وحاشية ابن عابدين 3 / 311 ، والفتح 4 / 414 ، وتبيين الحقائق 3 / 276 ، وحاشية الدسوقي 4 / 300 ، والتاج والإكليل 6 / 279 ، والشرح الصغير 4 / 429 ، والمهذب 2 / 220 ، ونهاية المحتاج 7 / 387 ، وكشاف القناع 6 / 163 ، والمغني 8 / 118 .
(4) - أخرجه البخاري ( الفتح 6 / 112ـ ط السلفية ) ومسلم ( 1 / 53ـ ط الحلبي ) .