وَالْبَاغِي مُسْلِمٌ ، إِلاَّ أَنَّهُ أُبِيحَ قَتْل غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ ، لاَ لِشِرْكِهِمْ ، وَدَفْعُ الشَّرِّ يَحْصُل بِالدَّفْعِ وَالتَّسَبُّبِ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ [1] .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: كُرِهَ لِلرَّجُل قَتْل أَبِيهِ الْبَاغِي ، وَمِثْل أَبِيهِ أُمُّهُ ، بَل هِيَ أَوْلَى ، لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ ، وَلاَ يُكْرَهُ قَتْل جَدِّهِ وَأَخِيهِ وَابْنِهِ [2] . وَقَال ابْنُ سَحْنُونٍ: وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقْتُل الرَّجُل فِي قِتَال الْبُغَاةِ أَخَاهُ وَقَرَابَتَهُ ، فَأَمَّا الأَْبُ وَحْدَهُ فَلاَ أُحِبُّ قَتْلَهُ عَمْدًا ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ جَوَازَ قَتْل الاِبْنِ الْبَاغِي ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ [3] .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُقْصَدَ قَتْل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، كَمَا يُكْرَهُ فِي قِتَال الْكُفَّارِ ، فَإِنْ قَاتَلَهُ لَمْ يُكْرَهْ . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الأَْصَحُّ كَرَاهَةُ قَتْل ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ الْبَاغِي ، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ ، فَأَشْبَهَ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ [4] .
إِرْثُ الْعَادِل مِنَ الْبَاغِي الَّذِي قَتَلَهُ وَالْعَكْسُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لأَِبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ الْعَادِل إِذَا قَتَل قَرِيبَهُ الْبَاغِيَ وَرِثَهُ ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ ، فَلَمْ يَمْنَعِ الْمِيرَاثَ كَالْقِصَاصِ ؛ وَلأَِنَّ قَتْل الْبَاغِي وَاجِبٌ ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الْقَاتِل بِقَتْلِهِ ، وَلاَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ . فَكَذَا لاَ يُحْرَمُ مِنَ الإِْرْثِ . وَكَذَا لَوْ قَتَل الْبَاغِي ذَا رَحِمِهِ الْعَادِل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ [5] ، لِقَوْلِهِمْ"وَمَوَارِيثُهُمْ قَائِمَةٌ [6] ".
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ قَتَل الْبَاغِي قَرِيبَهُ الْعَادِل وَقَال: أَنَا عَلَى حَقٍّ وَرِثَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ . وَإِنْ قَال: قَتَلْتُهُ وَأَنَا عَلَى الْبَاطِل لاَ يَرِثُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ . وَاسْتَدَل - أَبُو حَنِيفَةَ - بِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا أَتْلَفَ عَنْ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ ،
(1) - البدائع 7 / 141 ، وحاشية ابن عابدين 3 / 311 ، والفتح4 / 411 ، وتبيين الحقائق 3 / 276 .
(2) - حاشية الدسوقي 4 / 300 ، والشرح الصغير 4 / 429 .
(3) - التاج والإكليل6 / 279 .
(4) - المهذب 2 / 220 ، ونهاية المحتاج 7 / 387 ، وكشاف القناع 6 / 163 ، والمغني 8 / 118 .
(5) - لمغني 8 / 118 ، وكشاف القناع 6 / 163 .
(6) - التاج والإكليل 6 / 279 ، وحاشية الدسوقي 4 / 300 ، والشرح الصغير 4 / 429 .