مُقَاتَلَةُ الْبُغَاةِ بِسِلاَحِهِمُ الَّذِي فِي أَيْدِينَا:
يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، قِتَالُهُمْ بِسِلاَحِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَكُل أَدَوَاتِ الْقِتَال الَّتِي اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهَا مِنْهُمْ ، إِنِ احْتَاجَ أَهْل الْعَدْل إِلَى هَذَا ؛ لأَِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَسَّمَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنْ سِلاَحِ الْبُغَاةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ بِالْبَصْرَةِ ، وَكَانَتْ قِسْمَةً لِلْحَاجَةِ لاَ لِلتَّمْلِيكِ ؛ وَلأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فِي مَال أَهْل الْعَدْل عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَفِي مَال الْبَاغِي أَوْلَى [1] .
وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إِلَى جَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِهِ حَال الْتِحَامِ الْحَرْبِ ، وَمَنَعَهُ فِي غَيْرِ قِتَالِهِمْ ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ يَجُوزُ فِيهَا إِتْلاَفُ نُفُوسِهِمْ ، وَحَبْسُ سِلاَحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ ، فَجَازَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ كَسِلاَحِ أَهْل الْحَرْبِ . وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ [2] .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ ، وَهُوَ الْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ اسْتِعْمَال شَيْءٍ مِمَّا اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهِ مِنْ سِلاَحِ الْبُغَاةِ وَخَيْلِهِمْ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ ، وَيَلْزَمُ دَفْعُ أُجْرَةِ الْمِثْل لَهُمْ ، كَمُضْطَرٍّ لأَِكْل طَعَامِ غَيْرِهِ يَلْزَمُهُ ثَمَنُهُ [3] ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِل مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ [4] وَلأَِنَّ مَنْ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ مَالِهِ لَمْ يَجُزِ الاِنْتِفَاعُ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ؛ وَلأَِنَّ الإِْسْلاَمَ عَصَمَ أَمْوَالَهُمْ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ لِرَدِّهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ ، فَيَبْقَى الْمَال عَلَى عِصْمَتِهِ ، وَمَتَى انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ ، وَلاَ يُرَدُّ إِلَيْهِمْ قَبْل ذَلِكَ لِئَلاَّ يُقَاتِلُونَا بِهِ . [5]
(1) - الفتح والهداية 4 / 413 ، وحاشية ابن عابدين 3 / 311 ، وتبيين الحقائق 3 / 294 ، المغني 8 / 116 ، والتاج والإكليل 6 / 278 ، وحاشية الدسوقي 4 / 300 .
(2) - المغني 8 / 116 .
(3) - نهاية المحتاج 7 / 387 ، والمهذب 2 / 221 .
(4) - أخرجه أحمد ( 5 / 425 ـ ط الميمنية ) من حديث أبي حميد الساعدي ، وأورده الهيثمي في المجمع وقال: رواه أحمد والبزار ، ورجال الجميع رجال الصحيح . ( مجمع الزوائد 4 / 171 ـ ط القدسي ) .
(5) - نهاية المحتاج 7 / 387 ، والمهذب 2 / 221 ، وكشاف القناع 6 / 164 .