وَضَرَبُوا لِذَلِكَ أَمْثِلَةً:
فَالْبِدْعَةُ الْوَاجِبَةُ: كَالاِشْتِغَال بِعِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهَمُ بِهِ كَلاَمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ ؛ لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهُ لِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ . وَالْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْ أَمْثِلَتِهَا: مَذْهَبُ الْقَدَرِيَّةِ ، وَالْجَبْرِيَّةِ ، وَالْمُرْجِئَةِ ، وَالْخَوَارِجِ . وَالْبِدْعَةُ الْمَنْدُوبَةُ: مِثْل إِحْدَاثِ الْمَدَارِسِ ، وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ ، وَمِنْهَا صَلاَةُ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ .
وَالْبِدْعَةُ الْمَكْرُوهَةُ: مِثْل زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ ، وَتَزْوِيقِ الْمَصَاحِفِ .
وَالْبِدْعَةُ الْمُبَاحَةُ: مِثْل الْمُصَافَحَةِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ ، وَمِنْهَا التَّوَسُّعُ فِي اللَّذِيذِ مِنَ الْمَآكِل وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلاَبِسِ . [1] وَاسْتَدَلُّوا لِرَأْيِهِمْ فِي تَقْسِيمِ الْبِدْعَةِ إِلَى الأَْحْكَامِ الْخَمْسَةِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:
( أ ) قَوْل عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ [2] . فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ أَنَّهُ قَال: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ ، يُصَلِّي الرَّجُل لِنَفْسِهِ ، وَيُصَلِّي الرَّجُل فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ . فَقَال عُمَرُ: إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَل ، ثُمَّ عَزَمَ ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ ، قَال عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَل مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ . يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْل . وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ .
( ب ) تَسْمِيَةُ ابْنِ عُمَرَ صَلاَةَ الضُّحَى جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ بِدْعَةً ، وَهِيَ مِنَ الأُْمُورِ الْحَسَنَةِ . رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ
(1) - قواعد الأحكام 2 / 172 ، والفروق 4 / 219 .
(2) - أخرجه البخاري ( الفتح 4 / 250 - ط السلفية ) .