أَمَّا جَهْلُهُمْ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، فَيَجْعَلُهُمْ يَأْخُذُونَ بِالأَْحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ وَرَدَتِ الآْثَارُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ تَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُل أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } (سورة الإسراء / 39) وَقَوْل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ [1] .
وَمِنْ جَهْلِهِمْ بِالسُّنَّةِ ، جَهْلُهُمْ بِدَوْرِهَا فِي التَّشْرِيعِ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَكَانَةَ السُّنَّةِ فِي التَّشْرِيعِ: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (سورة الحشر / 7 .) .
د - تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْعَقْل:
عَدَّ الْعُلَمَاءُ مِنْ دَوَاعِي الْبِدْعَةِ تَحْسِينَ الظَّنِّ بِالْعَقْل ، وَيَتَأَتَّى هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ يَعْتَمِدَ عَلَى عَقْلِهِ ، وَلاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْوَحْيِ وَإِخْبَارِ الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجُرُّهُ عَقْلُهُ الْقَاصِرُ إِلَى أَشْيَاءَ بَعِيدَةٍ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَيَقَعُ بِذَلِكَ فِي الْخَطَأِ وَالاِبْتِدَاعِ ، وَيَظُنُّ أَنَّ عَقْلَهُ مُوَصِّلُهُ ، فَإِذَا هُوَ مُهْلِكُهُ .
وَهَذَا لأَِنَّ اللَّهَ جَعَل لِلْعُقُول فِي إِدْرَاكِهَا حَدًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ لاَ تَتَعَدَّاهُ ، مِنْ نَاحِيَةِ الْكَمِّ وَمِنْ نَاحِيَةِ الْكَيْفِ . أَمَّا عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلاَ يَتَنَاهَى ، وَالْمُتَنَاهِي لاَ يُسَاوِي مَا لاَ يَتَنَاهَى .
وَيَتَخَلَّصُ مِنْ ذَلِكَ:
( 1 ) أَنَّ الْعَقْل مَا دَامَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ يُجْعَل حَاكِمًا بِإِطْلاَقٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقٍ ، وَهُوَ الشَّرْعُ ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ مَا حَقُّهُ التَّقْدِيمُ ، وَيُؤَخِّرَ مَا حَقُّهُ التَّأْخِيرُ .
( 2 ) إِذَا وَجَدَ الإِْنْسَانُ فِي الشَّرْعِ أَخْبَارًا يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا خَرْقَ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ - الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنْ رَآهَا أَوْ عَلِمَ بِهَا عِلْمًا صَحِيحًا - لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ لأَِوَّل وَهْلَةٍ الإِْنْكَارَ بِإِطْلاَقٍ ، بَل أَمَامَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ:
(1) - أخرجه البخاري ( الفتح 1 / 202 ط السلفية ) من حديث أبي هريرة ، ومسلم ( 4 / 2298 ، 2299 ط الحلبي ) من حديث أبي سعيد الخدري .