زَالَ عَنْهَا الْبَيَاضُ وَبَقِيَ السَّوَادُ وَبَقِيَ الْبَيَاضُ لَزَالَ عَنْهَا اسْمُ الْبَلَقِ ، فَلَمْ يُسَمَّ بَلْقَاءَ أَبَدًا ، وَلَمْ يُسَمَّ اللَّوْنُ الْوَاحِدُ إِذَا بَقِيَ بَلْقَاءَ أَبَدًا ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ الْمَوْلُودُ عَلَى الْإِيمَانِ النَّاشِئُ عَلَيْهِ الْمُعْتَقِدُ لِلْمَعْرِفَةِ ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ هُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَكُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ أَبَدًا وَلَوْ أَنَّ الدَّابَّةَ نُتِجَتْ وَلَوْنُهَا كُلُّهَا بَيَاضٌ لَا سَوَادَ فِيهِ أَوْ سَوَادٌ لَا بَيَاضَ فِيهِ لَمْ يُسَمَّ بَلْقَاءَ أَبَدًا ، فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الدَّابَّةُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ ، وَالْبَلَقُ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ إِذَا افْتَرَقَ مَعْنَاهُمَا ، وَلِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ وَالْإِقْرَارَ فِعْلَانِ يَزُولُ أَحَدُهُمَا وَيَثْبُتُ الْآخَرُ ، وَفِعْلُ الْقَلْبِ يُسَمَّى تَصْدِيقًا فِي اللُّغَةِ إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ لَهُ مُعْتَقِدًا لِلْمَعْرِفَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالْقَلْبِ خَاضِعًا مُذْعِنًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْهُ إِيمَانًا وَلَوْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ إِيمَاءً وَلَمْ يُعْلَمْ مَا فِي قَلْبِهِ يُسَمَّى مُؤْمِنًا وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْإِقْرَارُ مِنْهُ إِيمَانًا ، وَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْإِيمَانِ ، وَجَرَى عَلَى فَاعِلِهِ اسْمُ الْمُؤْمِنِ وَأَحْكَامِهِ فَكَانَ مُؤْمِنًا فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ مَعًا ، وَالدَّابَّةُ إِذَا ظَهَرَ فِيهَا أَحَدُ اللَّوْنَيْنِ ، وَلَمْ يَظْهَرِ الْآخَرُ لَمْ يُسَمَّ بَلْقَاءَ ، وَلَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ اللَّوْنُ الْمُنْفَرِدُ بَلْقَاءَ أَبَدًا ، فَقَدِ افْتَرَقَ مَعْنَى الْإِيمَانِ وَاسْمُهُ مِنْ مَعْنَى الْبَلَقِ فِي الدَّابَّةِ وَاسْمُهُ ، وَفَارَقَ الْمُؤْمِنُ الدَّابَّةَ الْبَلْقَاءَ فِي الِاسْمِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِثْلُ الْآخَرِ . وَأَمَّا ضَرْبُكُمُ الْمَثَلَ بِالنَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ فَذَلِكَ أَبْعَدُ فِي الْمَثَلِ ، وَلَيْسَ يَخْلُو ضَرْبُكُمُ الْمَثَلَ بِهِمَا مِنْ أَنْ تَكُونُوا مَثَّلْتُمُ النَّوْرَةَ وَالزَّرْنِيخَ بِالْإِيمَانِ أَوْ بِالْمُؤْمِنِ فَإِنْ كَانَ بِالْمُؤْمِنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ جِسْمَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فَيَكُونُ مِنْهُمَا الْإِيمَانُ كَالنَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ يَكُونُ مِنْهُمَا الْحَلْقُ وَهَذَا مُحَالٌ مِنَ الْكَلَامِ . وَإِنْ تَكُونُوا مَثَّلْتُمُوهُمَا بِالْإِيمَانِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ جِنْسِ صَاحِبِهِ وَلَا جَوْهَرِهِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ كَانَ مِنْهُمَا الْحَلْقُ فَإِنْ يَكُنِ الْحَلْقُ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ فَالْإِيمَانُ إِذًا مَعْنًى مُتَوَلِّدٌ عَنِ الْإِقْرَارِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ وَالْمَعْرِفَةُ بِإِيمَانٍ كَمَا أَنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِزَرْنِيخٍ وَلَا نَوْرَةٍ . وَإِنْ تَكُونُوا مَثَّلْتُمُوهُمَا عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْحَلْقَ يَتَوَلَّدُ عَنْهُمَا كَالطَّاعَةِ يَتَوَلَّدُ عَنِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِقْرَارِ فَقَدْ جَعَلْتُمُ اثْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي أَعْيَانِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاسْمٍ غَيْرِ اسْمِ الْآخَرِ ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا غَيْرُهُمَا ، فَالْإِيمَانُ إِذًا اثْنَانِ يُوجِبَانِ الطَّاعَةَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِكُمْ . فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُسَمَّى حَالِقًا حَتَّى يَجْتَمِعَا فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ