بِرَبِّهِ فَصَبْرُهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِيمَانِهِ لَا فُرْقَانَ بَيْنَ ذَلِكَ . فَإِذَا كَانَ الصَّبْرُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ الْإِيمَانِ فَكَذَلِكَ كُلُّ صَبْرٍ هُوَ لِلَّهِ طَاعَةٌ فَهُوَ إِيمَانٌ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ صَبْرٌ إِيمَانًا ، وَصَبْرٌ لَا إِيمَانٌ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ تَصْدِيقٌ إِيمَانًا ، وَتَصْدِيقٌ لَا إِيمَانٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا وَجَبَ لِاسْمٍ فَهُوَ وَاجِبٌ أَبَدًا مَا كَانَ الِاسْمُ يَثْبُتُ بِثُبُوتِهِ ، وَيَزُولُ بِزَوَالِهِ ، فَالصَّبْرُ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ فَأَصْلُ الصَّبْرِ عَلَى إِمْسَاكِ الْإِيمَانِ ، وَضِدُّهُ تَرْكُهُ ، وَيَقَعُ بَدَلَهُ الْكُفْرُ ، وَالْفَرْعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ فَمَعْنًى مِنْهُ الصَّبْرُ عَلَى أَدَاءِ الْمَفْرُوضِ ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْضٌ ، وَكَذَلِكَ الْيَقِينُ ، وَالْحُبُّ ، وَالرَّجَاءُ ، وَالْخَوْفُ ، وَالرِّضَا ، وَالتَّوَكُّلُ فَالْجَوَابُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ سَأَلَ سَائِلٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ فَقَالَ: هَلْ لِلَّهِ دِينٌ مَنْ أَصَابَهُ كَانَ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا ؟ فَيُقَالُ لَهُ: نَعَمْ دِينُ اللَّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ الْإِيمَانُ لَهُ أَصْلٌ مَنْ أَصَابَهُ كَانَ مُؤْمِنًا مُسْلِمًا بِالْخُرُوجِ مِنْ مِلَلِ الْكُفْرِ ، وَالدُّخُولِ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَلِذَلِكَ الْأَصْلُ فَرْعٌ وَهُوَ الْقِيَامُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ ، وَكَمَالُ الْأَصْلِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْقَائِمِ فَإِنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ فَقَدِ انْتَقَصَ مِنَ الْفَرْعِ وَلَمْ يَزَلِ الْأَصْلُ . فَإِنْ قَالَ: بَيِّنْ لَنَا الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ ؟ قِيلَ لَهُ: الْأَصْلُ: التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ وَالْخُضُوعُ لِلَّهِ بِإِعْطَاءِ الْعَزْمِ لِلْأَدَاءِ بِمَا أَمَرَ بِهِ مُجَانِبًا لِلِاسْتِنْكَافِ ، وَالِاسْتِكْبَارِ ، وَالْمُعَانَدَةِ ، وَالْفَرْعُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ ، وَالْخَوْفِ لَهُ وَالرَّجَاءِ الَّذِي أَوْجَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِي يَبْعَثُهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ فَإِذَا أَدُّوا الْفَرَائِضَ وَاجْتَنَبُوا الْمَحَارِمَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ فَقَدِ اجْتَمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الْمُفْتَرَضُ . ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ وَلَيْسَتِ النَّوَافِلُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ الْإِيمَانَ وَلَمْ يُبِحْ تَرْكَهُ ، فَجَعَلَ جَحْدَهُ كُفْرًا . فَقَالُوا: مَنْ جَحَدَ بِفَرِيضَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَلَوْ جَحَدَ بِنَافِلَةٍ مِنَ النَّوَافِلِ لَمْ يَكُنْ كَافِرًا ، وَالْكُفْرُ ضِدُّ الْإِيمَانِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمُفْتَرَضُ ، وَأَنَّ النَّوَافِلَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْإِيمَانِ لَكَانَ مَنْ جَحَدَ بِهَا كَافِرًا . قَالُوا: وَأَمَّا مَنِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ"فَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّوَافِلَ مِنَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يُمِيطُوا الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ